لا يوجد أي مبرر ولا سبب يدفع إيران لامتلاك السلاح النووي، وهذا لأسباب بسيطة وبديهية في نفس الوقت، إذ إن الهدف الذي يمكن استخدام هذا السلاح النووي ضده غير موجود على أرض الواقع، فالأميركان بعيدون بآلاف الأميال، أما إسرائيل فإن قصفها بالنووي سيؤدي حتما إلى هلاك ليس اليهود فحسب بل والعرب الساكنين في أراضي إسرائيل والدول العربية المجاورة على حد سواء. ومعظمهم مسلمون.
وهل في مقدور جمهورية إيران الإسلامية التي تدعي بالزعامة في العالم الإسلامي أن تقدم على إبادة الملايين من إخوتها في الدين؟ الجواب واضح. لذا فإن استخدام إيران لأي سلاح نووي أمر غير معقول .
ومن المرجح أن تكون طهران قد قررت ببساطة تحقيق أقصى حد ممكن من التقدم في هذا المجال والتوقف قاب قوسين أو أدنى من الهدف دون بلوغه.وسوف يتيح ذلك للقيادة الإيرانية أن تحظى بشعبية منقطعة النظير لدى الشعب الإيراني،ونعتقد أن هذا هو الهدف الأساسي والرئيسي من كافة أشكال التصعيد التي مارستها طهران طيلة السنوات الأربع الماضية،هذا إلى جانب طموحها أن تتربع على عرش العالم الإسلامي وأن تملي شروطها على الغرب.
مع العلم أن إيران تتحدث مع الجميع من موقع القوة لأنها تشعر بنفسها في مأمن من آي خطر ولا تخاف من الهجوم الأميركي، لأنها ببساطة لا تتوقع حدوثه، وفي الواقع فإن العملية البرية مستحيلة لكون الأميركان غائصين في العراق والجيش الأميركي غير مؤهل على الإطلاق لخوض معارك برية مع جيش كبير و منظم مثل الجيش الإيراني، أما الضربات الجوية المحدودة المنفردة على المنشآت النووية فهي غير مجدية على الإطلاق ولن تحقق أية نتائج إيجابية لواشنطن، على العكس ستؤدي إلى زيادة تمسك الشعب الإيراني بالنظام لسنوات طويلة قادمة حتى وإن أصابت الضربات الجوية البرنامج النووي الإيراني وأعادته إلى الوراء لعدة سنوات.
وفضلا عن ذلك فمن غير المحتمل أن يترك الإيرانيون الهجوم الأميركي بلا رد. فبإمكانهم أن يهاجموا حقول النفط في البلدان المجاورة والقواعد الأميركية في المنطقة.
وسوف ينقلب ذلك على الأميركيين في العراق لأن الشيعة العراقيين الذين يتعاونون الآن مع واشنطن بشكل كبير وواضح سوف يتمردون عليها. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى انقلاب الأوضاع ضد الولايات المتحدة في العراق وضياع العديد من المكاسب والإنجازات التي حققتها إدارة بوش هناك طيلة الأعوام الماضية، هذا إلى جانب أن المجتمع الدولي .
ومن ضمنه المجتمع الأميركي نفسه سينقلب على الإدارة الأميركية وعلى الحزب الجمهوري بشدة عندما يرى العراق يغرق في مزيد من الوحل ولا تستطيع قوات الاحتلال إنقاذه، وذلك لأن العراق بالتحديد هو نقطة ضعف واشنطن الكبيرة في مواجهة إيران التي تملك نفوذا مؤثرا على الساحة العراقية.
أما عن التهديدات الإسرائيلية لإيران فهي مجرد بالونات اختبار لا فاعلية لها، لأن إسرائيل ليست بالقوة الدفاعية التي تتحمل بها صد أي ردود فعل من إيران على أي ضربة توجهها لها، خاصة وأن إيران تملك كما هائلا من الصواريخ التي ممكن أن تصل لإسرائيل في ثوان معدودة، وسماء إسرائيل مفتوحة تماما أمام أي قصف بالصواريخ من بعيد، وهذا ما شاهدناه في حرب صيف 2006 عندما كانت تقف مشلولة أمام قصف حزب الله في لبنان لمدنها .
كل هذه المعطيات الميدانية إلى جانب المعطيات الاقتصادية من أزمات مالية تواجهها الولايات المتحدة وأوضاع إقليمية لا تسير مع مصالح واشنطن، وتزايد المعارضة للحرب في أوروبا وآسيا، وما أصاب الولايات المتحدة من تراجع حاد لسمعتها بسبب الحروب غير المبررة، كل هذه الأمور مجتمعة تقول إن توجيه ضربة لإيران أمر غير متوقع ،وأن المسألة لا تعدو كونها استعراضات لأنظمة حكم تعاني من أزمات داخلية سواء في أميركا أو إسرائيل أو حتى في إيران نفسها.
كاتب ومحلل سياسي روسي