منذ أن قرر النظام الشيوعي في الصين الانفتاح على الاستثمار الخارجي عام 1978، أصبحت الصين أحد أسرع الاقتصاديات نموا في العالم وحجزت مكانا لها بين أكبر عشر دول اقتصادية في العالم، وحين تتلفت يمينا وشمالا لا تلبث أن تجد إحدى المنتجات الصينية قريبة من متناول يدك، مما جعل الكثيرين يفضلون البضاعة الصينية نظرا لتنوعها ورخص ثمنها.

ولعل التجربة الاقتصادية لهذا العملاق الصيني تعبر بالضرورة عن مجموعة من القيم الثقافية الاقتصادية التي لعبت دورا في تحويل الصين من مجرد عملاق سكاني شيوعي منغلق إلى تنين هائج فجر ثوراته تجاه العالم في محاولة لإثبات وجوده، لذا ليس مستغربا أن تصبح الصين خامس أكبر مصدر للسلع التجارية بعد الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وفرنسا.

ورغم ان عام 2008 يمثل أصعب الأعوام بالنسبة للاقتصاد الصيني بسبب ركود الاقتصاد العالمي الذي يقوده الكساد بالولايات المتحدة وبسبب ارتفاع الضغوط التضخمية المحلية، إلا أن الحكومة الصينية لا تزال تستهدف نموا اقتصاديا بمعدل 8% لهذا العام وتعمل على إبقاء معدل التضخم عند نفس المعدل للعام الماضي.

لكن يبقى الرهان على تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي الثابت هو أهم تحديات الحكومة التي لديها كثير من المخاوف لعل أهمها مشكلة توفير وظائف جديدة، كما لم تكتف الحكومة الصينية بالبقاء متفرجا على ما يحدث من ارتفاع جنوني لأسعار النفط وبادرت بإنشاء هيئة حكومية تتولى إدارة الاحتياطي الاستراتيجي الصيني من النفط، والمساعدة في حماية الاقتصاد الصيني من تذبذب أسعار النفط العالمية.

وتواجه الصين كثيرا من المشكلات التي عبر عنها الكثير في العديد من كتاباتهم وأهم هذا المشكلات تتلخص في الفراغ الروحي، ويقول سيدني ريتنبرج وهو الأميركي الذي أصبح من قادة الحزب الشيوعي في الصين بعد أن سقط في عشق هذا البلد وتخلف عن ركب الجنود الأميركان العائدين بعد الحرب إلى بلادهم يقول «إن صعود الصين ينطوي على مخاطر كامنة.

فالصين اليوم تقف في مفترق طرق بين الحياة والموت، فبعد مرور سبعين عاماً على بدء المسيرة الكبرى في مستهل الثورة الشيوعية الصينية مازالت المشكلة الكبرى التي تواجه الصين هي غياب القيم الروحية والأخلاقية وهو السبب الذي دفع الرئيس الصيني الحالي هو جينتاو إلى إطلاق برنامج المجتمع المتناغم.

ويقول ريتنبرج هناك الكثير من المفكرين غير السعداء وأعضاء الحزب القدامى والشباب الذين يحملون أفكاراً مثالية وفلاحين ومزارعين كل هؤلاء يكرهون الفساد الجديد وإعلاء قيمة المال على هذا النحو المحزن.. ولكنهم لا يملكون السلطة ولا القوة للتعبير عن قناعاتهم.

ويبدو أن المشكلات التي تواجهها الصين كثيرة فكما يشاع أن الصين تقف خلف العديد من المشكلات البيئية والاقتصادية إضافة إلى سجلها في مجال حقوق الإنسان وسمعتها غير الجيدة في مجال فرض الرقابة الصارمة على وسائل الإعلام، إلا أن بعض الاختصاصين يرى أنها مجرد مشكلات لا بد أن تفهم ضمن إطارها التاريخي، ويحاول البعض الدفاع عن هذا العملاق الآسيوي الطموح بالنظر إلى منجزاته على ارض الواقع.

وهذا ما حاولت الصين نفسها إثباته من خلال تحدي استضافة الألعاب الاولمبية على أراضيها، فالمتتبع سيلمس إلى أي مدى حاولت الصين الاستفادة من هذا الحدث وقبل أن يقام بسنوات فقد أضافت هذه الفعالية الرياضية العالمية 5,105 مليارات يوان إلى الناتج المحلي الإجمالي للصين في الفترة من 2004 وحتى 2008، كما أنها وبمجرد أن فازت بالاستضافة العام 2006 حققت الصين نموا اقتصاديا بلغت نسبته 2, 12 %.

كما استفادت الكثير من القطاعات التجارية في الصين من الدورة ولعل أكثر هذه القطاعات استفادة هو قطاع الإنشاءات، حيث أسفرت مشروعات البناء الكبرى عن توفير 430 ألف فرصة عمل إضافية في القطاع مابين عامي 2004 و2008 بينما تم توفير 130 ألف فرصة عمل جديدة في قطاعي البيع بالجملة والتجزئة، وبشكل عام فإن الدورة أتاحت 8 ,1 مليون فرصة عمل في كل القطاعات منها 370 ألف فرصة في هذا العام فقط.

أما إذا وصلنا إلى الحدث الأهم بالنسبة للصين والذي أقيم في الثامن من الشهر الحالي وأعلن انطلاقة الدورة الاولمبية التاسعة والعشرين فإن المتتبع لفعاليات حفل الافتتاح فإنه سيخرج بحقيقة واحدة وهي أن هذا الشعب استطاع أن يعبر عن خلاصة الخلاصة لكل التقدم والنمو وكشف وجه التاريخ الصيني العريق بأسلوب غاية في الدقة والإدهاش، فكثيرا ما راود متتبعي هذا الحفل أن فكرة الإبهار هي فكرة شبه مستحيلة.

لكن خروج الصين في تنظيمها لهذا الحفل هو خروج عن النص، واستطاعت إحراج أي دولة يقع عليها عبء تنظيم الدورات الاولمبية المقبلة، فـ «عش الطائر» وهو الاسم الحركي لحفل الافتتاح الذي فجّر كثيرا من الانجازات الإنسانية غير المسبوقة.

ولعل فكرة توظيف هذه الجموع الضخمة عكست لما للقوة البشرية من تأثير في حال توظيفها بالأسلوب الأمثل وبرشاقة الرجل الواحد، ولعل ابرز ما كان في حفل عش الطائر هو تركيزهم على المخترعات الأربعة العظيمة لقدامى الصينيين.

والتي تتجسد في صناعة الورق والطباعة المتحركة والبوصلة والبارود، كما أثارت اللغة الصينية فضول البعض للتعرف على هذه اللغة المكتوبة التي تكتب بنظام كتابة فكرية تسمى «هاندزو» ويعود اختراعها إلى ما قبل أربعة آلاف عام ويحتاج التلميذ إلى 6000 حرف ليقرأ جريدة عادية، وأكثر من ذلك ليقرأ الكتب القديمة.

يبدو أن الصين تعرف كيف تهزم الغرب وتتقدم عليه فالعملية لديها مسألة وقت لا أكثر وكما قال بعض المتندرين «إن التنين الصيني أشد غيرة من الجمل العربي».

كاتبة إماراتية

marmar_4u@hotmail.com