ذكرت في مقالي السابق (البيان 10/8/2008) بعض الأخطار التي تهددنا من جرّاء انتشار استخدام اللغة العامية في الكتابة بدلا من العربية الفصحى، وهي ظاهرة واضحة للأسف في مصر، وآخذة في التفاقم.

ذكرت خطر اتساع الفجوة بين أبناء الدول العربية المختلفة بما يؤدى إليه استخدام العامية من صعوبة التفاهم والتواصل بينهم، وذكرت الخسارة التي تنجم عن إضعاف صلة الأجيال الجديدة بتراثهم الديني والأدبي والثقافي بوجه عام. وذكرت الخطر الناجم عن استخدام لغة لا قواعد لها، بل يمكن أن يكتبها المرء كما يشاء.

وذكرت خطر دخول بعض الألفاظ والتعبيرات القبيحة أو المبتذلة في لغة الكتابة، بسبب نشوء وتطور العامية في الأصل في أوساط الأميين. ومع كل هذا الذي ذكرته، ظللت أشعر بأن هناك خطرا آخر غائبا، قد يضاف إلى ما ذكرت، وقد يكون هو أصل كل ما ذكرت من أخطاء والجامع بينها، ومن ثم قد يكون هو أشدها خطرا.

أشعر شعورا قويا بأن هذا الاتجاه نحو إحلال العامية محل الفصحى، ينطوي على تنكر من جانب الأجيال الجديدة لتاريخهم، وكأن الاستهانة باللغة الفصحى والاستعداد للخروج عليها (بل وتحبيذ هذا الخروج) تعبير عن الاستهانة بتاريخ الأمة كله، وبكثير مما كان لوقت طويل مصدر اعتزازها بنفسها.

إن اللغة ليست فقط طريقة للتخاطب والاتصال بين الناس، تحقيقا لمصالح عملية محددة، ولكنها أيضا مخزن لثقافة الأمة وقيمها وتاريخها. فللكلمة أو العبارة رصيد متراكم من المعاني التي استخدمت بها هذه الكلمة أو العبارة، ولها تداعيات فكرية وعاطفية، تثيرها بسبب هذا التاريخ الطويل. فهجران اللغة القومية فيه هجر لهذا الرصيد المتراكم من المعاني ولهذه التداعيات. وكلما طال هذا الهجر للغة القومية ظهر خطر النسيان، والنسيان في هذه الحالة هو التخلي عن هذا الرصيد إلى الأبد.

إني لا أزعم بالطبع أن اللغة العامية ليس لها بدورها مخزون من ثقافة الأمة وقيمها وتاريخها، ولكن هناك فرقين مهمين (على الأقل) بينها وبين العربية الفصحى في هذا الصدد. الأول هو الفرق الواضح بين جمهور اللغة العربية الفصحى الذي يشمل العالم العربي كله، وبين جمهور العامية الذي لا يتعدى عادة حدود دولة عربية واحدة أو حتى جزءا من دولة واحدة. ولكن هناك فارقا هو الأهم في رأيي، وهو أن التراث الذي تختزنه أي لغة عامية محدود أيضا بحدود التجارب اليومية، فلا يتجاوزها ليشمل الإنتاج الفكري الذي أنتجته الأمة عبر عصور تاريخها المتتالية.

لا بد أن أعترف هنا بحقيقة مهمة، وهي أن استخدام العامية في التعبير عن التجارب اليومية يكسبها نوعا من القوة، لا تتمتع به الفصحى عادة بسبب عدم استخدامها في التخاطب الشفهي واقتصارها على التعبير المكتوب. من هنا تأتي بالطبع قوة التأثير الذي يحدثه في النفس الشعر العامي أو الأمثلة الشعبية، واستجابة القارئ لمسرحية كتب حوارها بالعامية بدرجة كثيرا ما تفوق استجابته لحوار مكتوب بالفصحى، وكذلك لبعض عبارات قد ترد بالعامية في بعض المقالات أو الروايات، وتعبر عن عاطفة أو موقف تعبيرا أكثر قوة وتأثيرا مما يمكن أن تحدثه العربية الفصحى.

كل هذا صحيح. فما الحل الأمثل إذن في ما يتعلق بالكتابة بالفصحى أم العامية؟

إن من المفيد أن نتذكر أن الاهتمام بهذه المشكلة قديم يعود إلى أكثر من قرن من الزمان. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر أثيرت مشكلة الازدواجية في اللغة بين الفصحى والعامية، إذ يتكلم الناس لغة ويكتبون لغة أخرى. وقد أدرك رواد الإصلاح الثقافي والاجتماعي في العالم العربي خطورة المشكلة منذ ذلك الوقت، بل وأدركها بعض الأجانب المتعاطفين مع قضية النهضة العربية، وإن لم تكن مقترحاتهم صائبة دائما في رأيي.

فقد ذهب أحد الخبراء الانجليز في مصر في مطلع القرن العشرين إلى أن الحل الصحيح هو أن تصبح العامية المصرية هي لغة الكتابة في مصر، إلى حد أن قام بترجمة بعض مسرحيات شكسبير إلى العامية لإثبات صلاحية العامية للتعبير عن أفكار ومشاعر عميقة. ثم دارت مناقشات حامية بين المثقفين العرب في الثلاثينات والأربعينات حول ازدواجية اللغة، فذهب البعض إلى حد اقتراح التحول، مثل تركيا، إلى الكتابة بالحروف اللاتينية (مثل عبد العزيز فهمي).

وذهب آخرون إلى التساهل في قواعد الإعراب وتسكين نهايات الكلمات دون رفع أو نصب أو جرّ (مثل طه حسين)، وربما آخرون (مثل أحمد أمين) إلى وضع لغة ثالثة تقع بين الفصحى والعامية، فتصبح هي اللغة المستخدمة في الصحف وسائر وسائل الإعلام، وتنقيّ من (حرافيش الكلام) أي الكلمات المبتذلة، مع التساهل أيضا في الإعراب بحيث لا يلتزم بقواعد الفصحى الراسخة إلا المتخصصون في الأدب واللغة.

كان أمل الجميع أنه، بانتشار التعليم يمكن أن تحل المشكلة بشكل تلقائي، بشرط اتباع طرق جديدة في تعليم الفصحى تجعل استيعاب قواعدها أسهل، فترتفع نسبة السكان الذين يفهمون الفصحى ويستخدمونها في الكلام والكتابة، وتقترب اللغة الدارجة شيئا فشيئا من الفصحى، خاصة مع انتشار الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، فتستخدم اللغة الدارجة ألفاظ الفصحى أكثر فأكثر، وتتخلص من المبتذل من ألفاظها شيئا فشيئا.

كان الأمل أيضا أن تقوم مجامع اللغة العربية بمهمتها بكفاءة أكبر مع مرور الزمن، وهي إقرار مصطلحات جديدة تساير تطور الحياة وتعبر عن المخترعات الحديثة، وتشتق مصطلحات جديدة تساير هذه التطورات والمصطلحات الجديدة في العلوم، وتقر بعض مصطلحات العامية التي لا تأباها الفصحى.

ولكن كل هذه المقترحات ذهبت أدراج الرياح، وانتشر التعليم ولكن ليس بالدرجة المطلوبة ولا بالشكل الذي كان مأمولا، وزاد انفصام المجامع اللغوية عن المجتمع، وسمح هذا كله بما نراه اليوم من محنة اللغة العربية.

فما الذي حدث بالضبط خلال الخمسين عاما الماضية حتى تنتهي اللغة العربية إلى ما هي فيه اليوم؟ هذا هو موضوع مقالنا التالي.

كاتب مصري

sgsaafan@gmail.com