«يحبوني ميتاً ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا»

مات درويشاً.. كما ولد درويشاً..»

محمود درويش، ووري الثرى قبل أيام، وبعد أيام سيصبح هذا الجسد المريض بالحمى والسهر وآلام قبيلته ووطنه وشعبه وأمته وتاريخه.. سيصبح هيكلا عظميا دون ملامح.. ودون بدلته الرخيصة الثمن ودون ربطة عنقه.. ودون سجائره.. هكذا تركنا محمود درويش دون وعي.. ودون عيون.. ودون نظارات.. ودون فم.. لن يبقى لنا من محمود إلا نظراته وصوته.. ولم يبق لنا من درويش إلا فكره وأفكاره..

ولم يبق لنا من هذا الذي ترجل بعد 67 سنة من حياة التشرد بدون وطن، إلا ما يمكن أن نتخيله في غيابه.. مجرد ملامح بالكاد تسمى ملامح، وصوت بالكاد يسمى صوتا.. كل واقع محمود درويش أصبح في لحظة واحدة، وفي زمن أقل بكثير من ثانية أطلق فيها شهقته الأخيرة وخرجت روحه التي طالما تألمت وتعذبت وتململت في سره وبين نفسه.. ونفسه لتذهب إلى السماء العالية..

وبقينا نحن على كوكب الأرض، ونعرف أننا لن نتمكن بعد اليوم من سماع صوته إلا من خلال ما تم تسجيله له.. ومن رؤية وجهه إلا من خلال شاشات التلفاز.

أما هو، هو كما هو، بلحمه ودمه فلم يعد منذ يوم رحيله سوى مجرد خيالات، نحاول أن نركب من خلالها وجه ذلك الشاعر الذي أبهر بكلمته وبالتزامه بقضاياه وجه العالم.

نحن لدينا ملايين من البشر تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن البحر إلى البحر، وكلهم عرب من نسل عرب وأعراب من صلب أعراب ومستعربون دون أن يفهموا لغتنا ومستغربون دون أن يحبوا ثقافتنا وشعرنا، ومستشرقون حاولوا فك أسرار حضارتنا الضاربة في القدم، ومنا المشرد عن وطنه، ومنا المنتمي ومنا الملتزم، ومنا المعذب حتى البكاء، ومنا المنهوك حتى السقوط، ومنا اليائس حتى الفيضان، ومنا النائم حتى الموت، ومنا الغني حتى التخمة، ومنا العالي المقام حتى الملل، ومنا الملك حتى الخوف من الموت.

ولكن محمود درويش ليس له ظل، ولم يعين نائبا ولم يسم وليا للعهد، ولم يترك ثروة ولم يورث خزينة ولم يترك حسابا في المصارف الأجنبية، ولم يخف من أن يفقد عرشه وهو على قيد الحياة أو بعد موته، ولم يخش قبل أن ينام من أي انقلاب أبيض أو أحمر على كرسي حكمه في الصباح التالي.

ولم ينتظر أوامر الملكة الأم التي تسير أمورنا وسياساتنا من خلف المحيطات بلغة لا نفهمها إلا من خلال الإشارة أو العصا، لكي يغسل وجهه في الصباح ويشرب الحليب قبل النوم، ولم يخضع لعملية تجميل ولم يستعمل المساحيق وكريمات البشرة للرجال، ولم يقل بأن البيضاوات أجمل نساء الأرض والسمراوات قبيحات، ولم يشتر آخر صرعة في سيارات اللامبرغيني وأغلى قلم مرصع بالماس، ولم يكره وطنه ولا شعبه ولا أمته.

ولم يضع مواطنيه خلف قضبان السجون، ولم يقم بتعذيب معارضيه ولم يكسر أضلاعهم ولم يقتلع أظافرهم ولم يشوه وجوههم، ولم يجبرهم على الاعتراف به كآلهة لا تموت ولا تحيا، ولم يسلب مواطنيه أراضيهم وممتلكاتهم ليوسع من مملكته.

ولم ينف أحدا منهم خارج وطنه، لأنه هو ضحية النفي ولأنه ليس لديه من يشكل خطرا على قصائده التي يكتبها ليلا وتنتشر مع الصباح في كل أكواخ الوطن العربي، ولم يظلم أحدا ولم يسرق شاة ولا جملا، ولم يأكل في صوان من الذهب والفضة، ولم يرب الكلاب ولم يشتر الشقق الفخمة ولم يدخل في بورصة الأوراق المالية.

لقد مات محمود درويش دون أن يخاف من الموت ومن ذهاب الحياة، وتركنا نتخبط في وحل الحياة وشرورها وماديتها ولا إنسانيتها وعدوانيتها وأنانيتها وانتهاكها لحقوق الإنسان وظلمها وكذبها ونفاقها وفسوقها.. تركنا كما تسقط ورقة التوت من على عوراتنا لتكشف زيفنا في قصيدة أو في شبه قصيدة أو في بيت واحد، بل أحيانا في كلمة من صدر بيت أو عجز بيت، بل في قافية واحدة..

لقد تركنا محمود درويش وهو ما زال حيا، فبيننا وبينه مسافة طويلة من عدم الفهم والجهل بمعاني القضية وبمعاني الحياة من أجل القضية، تركنا (وهنا لا فرق بين فلسطيني وعربي وأعجمي ويهودي) نتحارب فيما بيننا على الوهم، ونتقاتل على شيء زائل، ونتنافس على سراب غير كائن، ونفتك ببعضنا لأجل قطعة أرض بمساحة قطعة كعكة ولأجل كرسي بمساحة لا تتجاوز كرسي المرحاض، وعلى قطعة معدنية بحجم غطاء البيبسي كولا..

تركنا محمود درويش عبرة لمن لا يعتبر، ولن نعتبر، تركنا بعد أن يئس منا ومن قضايانا ومن سفك دمائنا ومن قصص المؤامرات الفاضحة والبذخ الذي يثير الاشمئزاز، والثراء الفاحش الذي يفضي بنا إلى القيء، والمعاهدات التي تبيع شعبا مقابل حفنة من الدولارات الملوثة بدم الأطفال..

تركنا ومضى، وترك لنا كلماته السوداء تلك التي تشبه إلى حد كبير فلسفة الدود الذي سيبدأ من اليوم في التهام جسده خلية بعد خلية وعضوا بعد عضو حتى يتركه مجرد كومة من اللاشيء، ودون أن يستطيع أي بشر على الأرض إقناع تلك الدودة الصغيرة بترك جثمانه المسجى تحت ستة أقدام من تراب الأرض العربية، وظلم الأرض العربية، وتشقق الأرض العربية، وانقسامات الأرض العربية التي تفوح منها رائحة الدم منذ مقتل عمر وعلي وعثمان والحسن والحسين.

محمود درويش لم يحمل السلاح، وربما لم يتعلم كيف يطلق الرصاص على أي إنسان حتى ولو كان من ألد أعدائه، ولكن كلماته كانت أشد فتكا من الرصاص ومن القنابل ومن الأساطيل الغربية ومن القنابل النووية التي ألقيت على أطفال هيروشيما وناجازاكي، وأشد حرقا من النابالم الذي رشته الطائرات المعادية على الفيتناميين الذين حاربوا لأجل حريتهم، وأكثر إيلاما من الصواريخ الذكية التي أطلقت على شعب العراق من الأساطيل التي كانت تجوب المياه العربية.

ومن المؤامرات التي كانت تحاك ضد شعب لبنان ومقاومته.. إنها الكلمة عندما تنطلق من حرقة الصدر ومن القهر.. ومن الغضب وعدم التصديق بما يجري بين البشر.. بين هابيل وقابيل اللذين لم يموتا بعد، ويولدان كل يوم ويقتل هابيل قابيل كل يوم ويولد هابيل من جديد وقابيل من جديد.. الكلمة التي كانت تعكس حيوانية الإنسان.

محمود درويش رثاء شعب.. ونحن اليوم نرثيه فقط لأنه أصبح عنا بعيدا جدا، مثل النجمة التي تتلألأ على بعد ملايين السنين الضوئية من كوكبنا.. دون أن نستطيع تجاوزها.

جامعة الامارات

dralaboodi@gmail.com