بالرغم من عمق واتساع نطاق الكارثة التي يعاني منها فلسطينيو الأراضي المحتلة خصوصاً، وبالرغم من قدرتهم على احتمال رحيل عدد كبير من جيل الزعماء والقادة السياسيين الكبار، إلا أن لرحيل الشاعر الفلسطيني الجنسية، الإنساني الهوية والأبعاد محمود درويش، بصمة واضحة تصل إلى حد الشعور باليتم.
محمود درويش لم يكن من بين أولئك الذين تدخلت الضرورة المتطفلة (إسرائيل) لإنهاء حياتهم، وإن كان رواد هذه الضرورة، قد تمنوا موته قبل أن يولد من رحم أمه. درويش لم يكن قائداً عسكرياً أو حتى مقاتلاً بالمعنى المباشر للكلمة، ولم يكن قائداً سياسياً، أو قيادياً في حزب أو فصيل، وحتى حين تم اختياره على غير رغبته عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
لم يمارس دوراً سياسياً أو قيادياً، ثم إنه لم يكمل عضويته فيها إلى آخر ولايتها، حيث قدم استقالته منها على خلفية توقيع المنظمة اتفاقية كامب ديفيد، وبدون أن يراعي رغبة وحاجة الرئيس الراحل عرفات، لبقائه في منصبه، فيما كانت المنظمة تشهد ما يشبه الانشقاق السياسي.
آثر درويش أن يستجيب لطبيعته، وموهبته الأولى، وأن يتحرر من كل «ارتباط» يمكن أن يشكل قيداً على حرية تفكيره وإبداعه، إلى أن استثمر كل وقته في كتابة الشعر والأدب، والمقالات، حتى يمكن القول إن أعوام حياته السبعة والستين قد اكتنزت بالنضج والإنتاج بما يوازي أضعافها.
خلال سنوات النكبة الأولى وكان لم يزل دون العاشرة، غادر محمود قريته البروة، ليعود إليها متسللاً، وكأن عودته إلى حيث مولده تشكل عودةً للوعي بقيمة الانتماء للأرض والهوية، رغم ما تتعرض له الأرض والهوية من انتهاكات وحشية يجتهد مرتكبوها لأن تصل إلى حدود الإلغاء الكامل.
عاد محمود لينضم مبكراً للحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكان هو المتاح في ظل صعود وانتصار الصهيونية، ولكي يشعل جذوة الثنائية بين الأصالة والافتعال، المتجذر والسطحي، بين الراسخين في جذور الأرض والعابرين عليها.
لم يكن تكريس مثل هذه الثنائية أمراً سهلاً، ومن أجلها اعتقل مرات عدة، واستلهم منها أول أشعاره حين أجاب السجان بقوله: سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألفاً، وأولادي ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف. كانت تلك الكلمات، ولا تزال أقوى من القذائف، فلقد أعلن منذ البداية هويته الثقافية، ومشروعه، وآفاق نضاله، وبصق في وجه جلاده حين قال بجرأة كلمته أمام حاكم ظالم.
يقولون إن الإبداع يصدر ويتألق من رحم المعاناة، وإذا كان ذلك صحيحاً فإن أشعار درويش الأولى، هي التي لفتت نظر الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، الذي كان أول من كشف النقاب، وعرف عن أدب المقاومة في المناطق المحتلة منذ عام 1948، ومنذ ذلك الحين اكتسب محمود درويش لقب شاعر المقاومة.
كان ما أقدم عليه كنفاني في حينه قد أحدث شيئاً من المفاجأة بالنسبة للكثيرين من المهتمين، الذين نظروا للحزب الشيوعي الإسرائيلي حينذاك على أنه جزء من نظام الاحتلال، وكان مصدر المفاجأة حد الاستغراب أنه كيف لقائد سياسي ومثقف وأديب معروف مثل غسان كنفاني، أن يتجرأ على المعتاد والمألوف، ليضفي صفة المقاومة والوطنية على شعراء مغمورين وفي موقع الاتهام أو الشبهة.
على أن إبداع محمود درويش، وهو في سن الشباب وتحت وطأة الجرائم اليومية التي ترتكبها دولة إسرائيل، والتمييز العنصري الذي يمارس ضد العرب، قد أبقى أشعاره أسيرة سقف معين، إذ لم يكن ممكناً أن تنفتح على آفاق الإنسانية، وعلى كامل أبعاد القضية الفلسطينية إلا حين يتحرر العقل، فالعقل المقيد سيبقى محاصراً بحدود الواقع، وطالما أن الوعي الاجتماعي هو انعكاس وتجل من تجليات الوضع الاجتماعي.
كان خروج محمود درويش بعد نحو ثلاثين عاماً من العيش تحت الاحتلال، هو خروج للمارد من قمقمه، إلى رحاب الحرية التي أملت عليه أن يواصل التزامه برفض الخضوع للقيود، سواء بالنسبة لسلوكه الشخصي أو طريقة حياته، أو حدود صداقاته وحركته في ما يتصل بحرية تفكيره.
لقد صاغ درويش حريته بنفسه، فكان إنتاجه الإبداعي وتألقه وتبلوره، أكثر سرعة من أن تتمكن أي قياده فلسطينية من أن تضع له حدوداً أو تؤثر عليه، أو تشكل ضغطاً ولو ضئيلاً على تدفق أشعاره وأفكاره.
في كل الأحوال لم يغادر درويش مربعات وظروف الألم والمعاناة، فلقد عاش في لبنان إبان الحرب الأهلية، وإبان الاجتياح الإسرائيلي، وعاش صراع الفصائل، وتمعن عميقاً في حياة سكان المخيمات، ثم انتقل إلى رام الله بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994 ليراقب من موقع مرتفع وقريب، الفصول الجديدة من مأساة شعبه.
لم يتدخل في السياسة إلا قليلاً، لكنه كان سياسياً بالضرورة والفطرة، طالما أنه اعتز بفلسطينيته حتى العظم، واندمج في هويته الثقافية والوطنية، ليحملها على أكتاف كلماته وأشعاره، إلى كل أصقاع الأرض، مقدماً حقيقتها وجوهرها الإنساني على كل الحقائق الأولى.
أشعاره وإنسانيته حملته إلى العالمية، فترجمت دواوينه الأربعة عشر إلى اثنتين وعشرين لغة، فضلاً عما ناله من جوائز وما حظي به من مكانة، إلى أن أطلق عليه بعض نظرائه من الأدباء والنقاد لقب «متنبي العصر».
لقد ارتفعت قامة محمود درويش كاتب وثيقة الاستقلال، التي تعكس بكلمات قليلة وبسيطة أبعاد القضية الفلسطينية، وتحدد انتماء وهوية الشعب الفلسطيني.. نقول لقد ارتفعت قامته عالياً في سماء الثقافة الفلسطينية والعربية والإنسانية، والأمل في أن يشكل رحيله دافعاً ومهمازاً، للنهوض بالثقافة الفلسطينية التي تعاني منذ بعض الوقت من رداءة الطقس الفلسطيني.
كاتب فلسطيني : talalokal@hotmail.com
