انتهت في الثاني من أغسطس الجاري المهلة الزمنية التي مُنحت لإيران للرد على المقترحات التي قدمتها الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا والتي احتوت على مجموعة من الحوافز المشجعة لحمل طهران على تجميد تخصيب اليورانيوم كخطوة لابد منها لإجراء محادثات مباشرة معها.
انتهت المهلة بين استعجال أميركي للحصول على الرد وتريث أوروبي لبضعة أيام أخرى ورغبة روسية وصينية في عدم وضع موعد للرد. لم تخف إيران رغبتها التي كررها أكثر من مسؤول وفي أكثر من مناسبة في بقاء ملفها النووي بأيدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن المسؤولية تجاه هذه الوكالة قد تراجعت في السنتين الأخيرتين إلى مرتبة ثانوية الأهمية حين استلمت الدول العظمى هذا الملف لمعالجته بنفسها.
فالموضوع في نظر هذه الدول لم يعد ذا بعد تقني فحسب يقع ضمن اختصاصات الوكالة وإنما أصبح قضية سياسية قد يترتب عليها الإخلال بالتوازنات القائمة في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الإستراتيجية.
سيكون من المستغرب أن تكون مواقف هذه الدول غير ما ذُكر في السطور الأولى أعلاه، الولايات المتحدة أكثر تعجلاً وتلهفاً من الآخرين لمعرفة الرد الإيراني فهي صاحبة المصالح الأقل في إيران والمصالح الأكبر في المنطقة التي تحاذيها سواحل إيران البحرية وحدودها البرية المترامية الأطراف، في حين أن روسيا والصين هما أصحاب المصالح الأقل في المنطقة والمصالح الأكبر في إيران.
اللقاء الذي جرى في جنيف بين كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي مع خافيير سولانا المفوض السياسي للسياسة الخارجية الأوروبية بحضور الدبلوماسي الأميركي البارز وليام بيرنز اتسم ببصمة المفاوض الإيراني، فإيران بارعة حقاً في خلط الأوراق وكسب الوقت لصالح التقدم في برنامجها النووي.
فقد كان الرد الأولي الإيراني الذي صدر عن وزارة الخارجية على المقترحات المقدمة إليها تقديم مذكرة ربطت فيها إيران ملفها النووي بقضايا أخرى إقليمية وعالمية. وقد وضع المفاوض الإيراني جليلي ذلك بطريقة فيها قدر من الطرافة مشبهاً رسم السياسة الإيرانية، ومنها الرد على المقترحات، بالدقة والأناة التي تحاك بها السجادة الإيرانية الشهيرة والوقت الطويل الذي تستغرقه.
في خلال هذه الفترة القصيرة، منذ تقديم مقترحات الدول الست، وفي انتظار رد طهران شهد الملف النووي الإيراني متغيرات ذات صلة، بعضها بشكل مباشر وأخرى بشكل غير مباشر، قد يكون لها دلالاتها في فترة لاحقة منها:
1. تكثيف الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأميركية لترجيح خيار استخدام القوة.
2. مضاعفة إيران لعدد أجهزة الطرد المركزي المستخدم في موقع نتانز حسب ما أفاد به الرئيس الإيراني نفسه.
3. اتجاه إيران لإتقان تقنية الانصهار النووي، وهو ما ورد على لسان رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني. وهذه التقنية تستخدم في صناعة القنابل الهيدروجينية ذات التدمير الأشد. فموقع آراك الذي أعلنت طهران عن افتتاحه في وقت سابق مخصص لإنتاج الماء الثقيل الذي يتكون من الأوكسجين وأحد العناصر التي تدخل في التفاعلات الانصهارية وهو الهيدروجين الثقيل أو الديتريوم.
4. نشاط إيران الدبلوماسي في مؤتمر عدم الانحياز الرابع عشر الذي أنهى أعماله في الثلاثين من يوليو المنصرم في طهران حيث استطاعت تضمين البيان الختامي لنص تعرب فيه دول الحركة عن تأييدها لحق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
5. تحرك دبلوماسي فرنسي لدور أكبر في هذا الشأن عبر سوريا.
6. إجراء إيران تجارب على أسلحة صاروخية جديدة في مجال التصدي للسفن الحربية.
7. صدور تصريح أدلى به مساعد وزير الخارجية الإيراني جاء فيه أن الشرق الأوسط سيبقى مركزاً للأزمات طالما ظلت الأنظمة الملكية قائمة في الخليج. وليس هنالك معلومات فيما إذا كان موضوع كهذا قد ورد في المذكرة التي قدمها جليلي إلى سولانا عند لقائهما في جنيف والتي تطالب طهران برد عليها.
وجاء الرد الإيراني أخيراً بعد بضعة أيام من انتهاء المهلة المحددة، فيه من الغموض أكثر مما فيه من الوضوح، ويحمل معنى واحداً فقط وهو أن البرنامج النووي الإيراني خط أحمر لا يمكن المساس به.
وقد وصف دبلوماسي أوروبي الرد الإيراني بالقول: إيران تقول لنا «نعم سنعطيكم رداً ولكن حين تعطوننا رداً» في إشارة إلى أن الوثيقة التي حملها جليلي معه إلى جنيف هي شروط إيرانية تسعى طهران إلى فرضها على الدول الست وهي تتطلب رداً.
ولم تخف الأوساط الغربية استياءها وخيبتها من الرد الإيراني الذي اعتبرته بمثابة «لا رد»، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن تلجأ الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات إضافية على إيران ربما تصطدم بممانعة روسية أشد خاصة بعد الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي المنحاز إلى جورجيا في الصراع الذي اندلع مؤخراً مع روسيا في إقليم أوسيتيا الجنوبية.
قطعت إيران حتى الآن شوطاً بعيداً في برنامجها النووي وربما تصل قريباً، إن لم تكن قد وصلت فعلاً، إلى نقطة اللاعودة حيث تصبح الطرق أمامها سالكة نحو تطوير القدرات النووية التي اكتسبتها لتوظيفها في نواح شتى مما يضع الدول العظمى أمام موقفين لا ثالث لهما:
1. التعايش مع إيران النووية ورفع العقوبات التي فرضت عليها وتطبيع العلاقات معها كما حدث مع باكستان التي أعلنت عن حصولها على عضوية النادي النووي عام 1998.
2. إجهاض البرنامج النووي الإيراني، وفي هذا الصدد أخفقت جميع الجهود السلمية، حتى الآن، في حمل إيران على التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم، كما فشلت العقوبات التي فرضها مجلس الأمن في إضعاف الموقف الإيراني.
ولم يتبق سوى الخيار الوحيد، استخدام القوة، أمام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وهو خيار يضع بعض المختصين شكوكاً حول نجاعته في القضاء على الطموحات النووية الإيرانية من جهة وتتضاءل فرص القيام به مع قرب الانتخابات الأميركية من جهة أخرى.
كاتب عراقي : majamal@emirates.net.ae