لماذا يصر الأميركيون على ضرورة نشر عناصر منظومتهم الدفاعية المضادة للصواريخ في الأراضي الأوروبية قرب روسيا، ولماذا يقرع الروس ناقوس الخطر ولماذا يوافق الأوروبيون على ذلك؟
قد يكون العسكريون ومصنعو الأسلحة الأميركيون يريدون أن يستمر تدفق الأموال عليهم من الخزانة الأميركية ومن خزانات الدول الأوروبية، ولهذا فإنهم يحتاجون إلى مشاريع باهظة التكاليف. وأيضا لا يستبعد أن يأمل الأميركيون أن تتطور منظومتهم الدفاعية حتى تصبح قادرة على تهديد القوات النووية الاستراتيجية الروسية.
ولكن الأغلب أن هذا «طبعة ثانية» لرواية «حرب النجوم»، أي أن واشنطن وضعت نصب عينيها ثانية هدف استنزاف روسيا بإجبارها على إنفاق أموالها لإيجاد ما تجابه به ما هو خطر وهمي. ومن المحتمل أن تنشئ واشنطن نظاما دفاعيا مضادا للصواريخ من أجل تعزيز حلف شمال الأطلسي الذي أصبح يبدو عاجزا في السنوات الأخيرة.
وليس مستبعدا في الوقت نفسه أن تكون أميركا قطعت كل أمل في حلف الناتو وتريد إيجاد ما يكون بديلا للناتو في صورة تكتل عسكري صغير معظم أعضائه من بلدان أوروبا الشرقية.. وبما أن لا أحد يدري ضد من سيكون موجها ما ينوي الأميركيون وضعه في شرق أوروبا قرب روسيا.
فإن الاقتراح الذي تقدمت به واشنطن إلى موسكو داعية الأخيرة للتعاون في إنشاء نظام دفاعي مضاد للصواريخ بدا ساذجا ومرفوضا من موسكو، ولا يعكس حتى النوايا الحسنة من جانب واشنطن بل يعني في الواقع مزيدا من الخداع وسوء النية والمماطلة لكسب الوقت حتى تجد روسيا نفسها أمام الأمر الواقع.
وربما تأمل واشنطن في تغيير النظام الروسي والسياسة الروسية في المستقبل القريب وتعود روسيا تهرول نحو الغرب من جديد كما كانت في التسعينات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي لن يحدث سواء باستمرار السياسة الحالية في الكرملين أو حتى بغيابها فإن الرجوع للوراء أمر غير متوقع.
لأن روسيا استوعبت دروس التسعينات جيدا، وتيقنت من أن الغرب لن يقبلها قوية بجواره، وأنه سيستمر في سياساته ومساعيه لإضعافها وتفتيتها. السؤال المطروح الآن وبجدية هو: هل ستظل أوروبا منساقة بلا حدود للمخططات والتوجهات الأميركية حتى لو كان ذلك على حساب اقتصادياتها وأمن شعوبها؟
لقد عانت أوروبا الكثير من أعباء الحرب الباردة السابقة، ونجحت في التوصل لاتفاقات للحد من الأسلحة مع روسيا وغيرها، وكان جديرا بها أن تدعم الاستقرار والأمن في أوروبا بمزيد من الالتزام بهذه المعاهدات وليس بالتفريط فيها بسهولة نتيجة ضغوط أو إغراءات أو مغامرات أميركية، ومصالح أوروبا مع روسيا أكثر بكثير من مصالحها مع الولايات المتحدة التي ثبت للجميع بما لا يدعو مجالا للشك أنها تضع مصالحها فوق مصالح الجميع.
وكل مشاريع التعاون التي طرحتها روسيا على الأوروبيين خلال الأعوام القليلة الماضية تحقق الأمن والاستقرار والرخاء واستمرار التنمية الاقتصادية في بلدان أوروبا، وخاصة منها الواقعة بالقرب من الحدود الروسية لأنها أول المستفيدين من إمدادات الطاقة الروسية، إذا لماذا تسعى بعض الأنظمة الأوروبية لمضايقة روسيا والتعامل معها بمنطق الحرب الباردة؟، وهل يتوقعون من روسيا أن تستسلم وتخضع؟
إنها أوهام بعض الأنظمة الحاكمة في بعض الدول الأوروبية التي خرجت من المعسكر الاشتراكي السابق لكنها فشلت في الاندماج في النظام الاقتصادي والسياسي الغربي نتيجة تخلف اقتصادياتها ومؤسساتها السياسية، وتريد هذه الأنظمة أن تخفي عيوبها وفشلها عن شعوبها بأن تخلق لهم عدوا جديدا يتمثل في روسيا ونفوذها في أسواق الطاقة والتهديد القادم من نمو قوتها العسكرية.
وتحاول هذه الأنظمة أن تقنع شعوبها أن واشنطن تستطيع النهوض بهم مثلما فعلت مع أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية مع مشروع مارشال، ولكن الظروف الآن تغيرت والولايات المتحدة الآن ليست هي منذ نصف قرن، والشعوب وعيها زاد وتطور ولا يمكن خداعها بسهولة، وروسيا الآن تختلف تماما عنها في أي وقت مضى.
كاتب ومحلل سياسي روسي : Luon1935@kin.ru