عكست الحرب الجارية في القوقاز حالة الانقسام الكبيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والذي ربما يهدد استمرار حلف شمال الأطلسي على حاله الذي يرثى له منذ بداية الحملة الأميركية على أفغانستان والعراق التي اعترض عليها قدامى الحلف من الأوروبيين، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التصريحات الصادرة عن واشنطن ضد موسكو نجد تهدئة واضحة وحذرا شديدا من الدول الأوروبية الكبيرة إزاء هذا النزاع.
حيث رفضت دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا صراحة توجيه أية إدانات لروسيا، بل ذهب البعض إلى الاعتراف بحق روسيا فيما فعلت، مثلما فعل وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني الذي صرح بأن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين كان على حق تماما عندما حذر من فكرة ضم جورجيا وأوكرانيا لحلف شمال الأطلسي، كما رفض وزير الخارجية الفرنسي كوشنير توجيه أية إدانة لروسيا.
المغامرة الطائشة التي قام بها النظام الجورجي بتحريض ودعم واضحين من واشنطن لا يمكن أن تلقى أي قبول من المجتمع الدولي، وخاصة من الدول الكبرى التي تعلم جيدا أن منطقة القوقاز مستهدفة بشكل كبير وفي وقت عاجل من قبل واشنطن، فهناك مخطط لتوسيع رقعة الحروب التي من أجلها خرجت القوات الأميركية منذ خمس سنوات متجهة نحو الشرق.
والدول الكبرى التي عانت من قبل أكثر من غيرها بسبب السياسات العسكرية الأميركية ترفض تماما الاستمرار في تأييد هذه السياسات، وأصوات أوروبا الكبيرة، التي وصفتها إدارة بوش بأوروبا العجوز، تعلو الآن بوضوح وصراحة وترفض علنا ما تفعله واشنطن.
الحرب في القوقاز مدبرة ومخطط لها بشكل واضح من قبل واشنطن، فجورجيا الدولة الصغيرة الضعيفة لا يمكن أن تتوافر لها الجرأة للتحرش بالعملاق الروسي إذا لم يكن وراؤها من يحرضها على ذلك، والدعم العسكري الأميركي لجورجيا واضح للجميع ومعترف به من واشنطن نفسها.
وتثور الأقاويل الآن حول وجود أكثر من ألف ضابط وعسكري أميركي وسط صفوف الجيش الجورجي، وقد اعترف البنتاجون بأن ضباط أميركيين يتولون تدريب الجيش الجورجي، فماذا يمكن أن تقول واشنطن الآن للمجتمع الدولي وللأوربيين بالتحديد؟
من البديهي أن أي قوة في العالم مهما بلغت لا تجرؤ على الدخول في حرب مع روسيا الآن، والعالم مع بداية الألفية الثالثة تغيرت معالمه كثيرا، وأصبحت روسيا القوة المؤثرة على الساحة وفي نفس الوقت الشريك والصديق المتعاون مع الجميع وخاصة مع الأوروبيين.
وأصبحت أوروبا في أمس الحاجة لروسيا أمنيا واقتصاديا بعد أن أصبحت تشكل المصدر الرئيسي للطاقة لأوروبا، ولا يمكن لواشنطن أن تقنع أحد وخاصة الأوروبيين بأن روسيا عدو لهم، وهذا ما أكده وزير الخارجية الإيطالي فراتيني الذي قال بأنه لا يمكن خلق أي تحالف في أوروبا يكون معادياً لروسيا.
ربما تستطيع واشنطن إغراء بعض الدول الصغيرة ذات الأنظمة الحاكمة الضعيفة لكنها بالقطع بات يصعب عليها تسويق أكاذيبها على الكبار، وإذا كانت دول أوروبا الكبيرة قد تغاضت عما فعلته واشنطن في أفغانستان والعراق فإنها بالقطع ليست على استعداد لا للتأييد ولا حتى للسكوت عن مغامرات طائشة مع الجارة الكبيرة روسيا التي أبدت كل ما في وسعها من حسن النية والاستعداد للتعاون الفعال من أجل استقرار وأمن أوروبا.
ما حدث في القوقاز يعد درسا كبيرا لواشنطن عليها أن تستفيد منه جيدا وبسرعة قبل فوات الأوان، كما أنه درس أكبر لبعض الأنظمة الحاكمة في بعض الدول الصغيرة التي تهوى المغامرات وتهوى اللعب في الملعب الكبير بجهل ودون وعي بموازين القوى العالمية الجديدة.
كاتب ومحلل سياسي روسي : Luon1935@kin.ru