أموال الخليج تتحكم في السياسات الغربية .. هذا ما يحاول أن يثيره بعض المحللين والسياسيين في الغرب حول الاستثمارات التابعة للدول الخليجية والمعروفة بالصناديق السيادية.
فبينما تحاول دول الخليج العربية إيجاد فرص لاستثمار أموالها في أسواق مربحة عالمياً، لاسيما في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة، يقف الغرب وعلى رأسه الكثيرون في واشنطن ضد المسعى الخليجي هذا، بحجة أن المال الخليجي سيؤدي إلى تزايد سطوة وممتلكات دول الخليج وبالتالي يمكنها من التحكم في النظام المالي الأميركي واستخدامه كأدوات للضغط السياسي في المستقبل، أي أن يتحكم الخليج في السياسة الأميركية!
قبل الولوج في تحليل طبيعة المخاوف الغربية والأميركية، لا بد من التطرق إلى معرفة ماهية الصناديق السيادية التي بدأت تبرز في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، حيث أصبحت تتصدر عناوين النشرات الإخبارية سواء كانت الاقتصادية أو السياسية، كما أصبحت تتبوأ قائمة أجندة المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية، وتقرع طبول الإنذار في البرلمانات الأوروبية والأميركية.
كما أجبرت وزراء المالية في العديد من الدول الأوروبية والأميركية بالقيام بزيارات مكوكية إلى منطقة الخليج للبحث في فحوى هذه الصناديق، وكانت آخرها زيارة كل من وزير الخزانة الأميركي ووزير المالية الألماني.
في الواقع تعرف الصناديق السيادية بأنها مجموعة أصول مملوكة للدولة تدخل في استثمارات بارزة في اقتصادات العالم، وتعتبر الصناديق السيادية وسيلة مهمة للمساعدة في إعادة تدوير فوائض الأسواق الناشئة للدول المصدرة للنفط. وعلى الرغم من أن هذه الصناديق الاستثمارية لا تمثل ظاهرة جديدة.
حيث يرجع إنشاء أول صندوق للثروة السيادية إلى عام 1953 وهو هيئة الاستثمار الكويتية، إلا أن الجديد في هذه الصناديق ـ وهو ما يعتبره الغرب تحدياً بارزاً ـ هو تضاعف ممتلكات هذه الصناديق لتصل إلى ثلاثة أضعاف على الأقل.
حيث وصل إجمالي قيمة هذه الصناديق في دول الخليج الست إلى ما يقارب 5 ,1 تريليون دولار في أواخر 2007، متصدرة هيئة أبوظبي للاستثمار قائمة أغنى صناديق الثروات السيادية في العالم وذلك بإدارة أصول مالية تصل قيمتها إلى 875 مليار دولار، تليها المملكة العربية السعودية بقيمة أصول تصل إلى 300 مليار دولار.
ومن ثم الكويت بقيمة أصول كذلك تصل إلى 167 مليار دولار. كما أصبحت هذه الصناديق تمتلك حصصاً كبيرة نسبياً في شركات أميركية وأوروبية عملاقة، وذلك بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها المؤسسات جراء أزمة الرهن العقاري الأخيرة في الولايات المتحدة، كمجموعة سيتي غروب ومورغان ستانلي وميريل لينش وغيرها العديد من الشركات.
فهيئة أبوظبي للاستثمار على سبيل المثال قامت في أواخر شهر نوفمبر بشراء حصة مقدارها 9 ,4% في مجموعة سيتي غروب بمبلغ 5,7 مليارات دولار لتصبح أكبر المساهمين فيها، وهي بذلك أعادت ضخ الحياة في هذه المجموعة بعد تعرضها للإفلاس، ومثلها الصين وسنغافورة والكويت ودبي والمملكة العربية السعودية، فجميع هؤلاء المستثمرين يمتلكون عبر الصناديق السيادية حصصاً كبيرة في أكبر وأهم هذه الشركات العملاقة.
أما عن المخاوف الغربية والأميركية من طبيعة هذه الاستثمارات، فتتمثل في حقيقة أن هذه الاستثمارات تأتي من دول وليس من أفراد، وبالتالي فإن التخوف الغربي مرتبط أساساً بالخشية من ربط تلك الدول استثماراتها بالسياسة، أي أن تكون تلك الاستثمارات رهينة مواقف سياسية في المستقبل، الأمر الذي قد يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي في الدول التي توجد على أرضها تلك الاستثمارات، لاسيما وأن مثل هذه الاستثمارات عادة ما تتواجد في عمق قطاعات البنية الاقتصادية الاستراتيجية، كالموانئ والمطارات والبنوك والعقارات.
كما أن الغرب يتخوف من عدم شفافية مثل تلك الصناديق الاستثمارية، لا سيما وأنها تأتي من جهات لا تمارس الشفافية في استثماراتها، من المنظور الغربي، كتحديد السياسات والأهداف العامة وأسماء الشركاء ومدى الترابط بين الحكومي وغير الحكومي في مثل تلك الاستثمارات.
وإن كنا نتفهم بعض ما يحاول الغرب إثارته من مخاوف حول هذا الموضوع، إلا أننا نرى أن هذه المخاوف مبالغ فيها، لأن دول الخليج لم تضع نصب أعينها مفهوم الضغط على الولايات المتحدة كهدف من أهداف صناديقها الاستثمارية. دول الخليج رأت أن الفرصة الوحيدة أمامها في استمرار تحقيق النمو والازدهار لدولها هو عبر استثمار أموالها بحيث تساعد على تحقيق التنمية المستدامة، من خلال دخول الاقتصاد العالمي وفقاً لما تملكه من قدرات، وليس بهدف الضغط على أحد.
دول الخليج فصلت السياسة عن الاقتصاد منذ فترة من الزمن، وأصبحت لا تفكر بإقحام الاقتصاد في السياسة، ولو كانت تريد ذلك لأقحمت النفط بهدف إحراز مكاسب سياسية محلية كانت أم عربية، إلا أن ذلك لم يحدث سوى مرة واحدة فقط في بداية السبعينات .
وكانت تلك المرة محدودة أيضاً، لكن لم تهدد دول الخليج على سبيل المثال الغرب برفع سعر النفط أو بوقف الإنتاج أو تخفيفه بسبب موقف سياسي معين، على الرغم من أن قوة وتأثير النفط تفوق قوة وتأثير الصناديق الاستثمارية السيادية، كما أن دول الخليج كانت مسؤولة بشكل كبير عندما لم ترضخ لضغوط فك ربط عملاتها بالدولار في الوقت الذي تخسر فيه عملاتها الكثير.
لقد كان هذا القرار قراراً مسؤولاً من قبل دول الخليج التي لم تود فعل ما يمكن أن يؤذي الاقتصاد الأميركي وبالتالي الاقتصاد العالمي.
وإن كانت الخشية الغربية كذلك من قيام دول الخليج باستخدام تلك الاستثمارات السيادية كورقة ضغط لتحقيق مكاسب عربية وإسلامية فإن ذلك لن يتحقق، لأن دول الخليج وبكل بساطة قررت دخول العولمة الاقتصادية والاستفادة منها، تماماً كما فعلت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وكما تفعل الصين اليوم، فكلتا هاتين الدولتين تجعل الاقتصاد نصب عينها في علاقتها مع الولايات المتحدة والغرب.
فلتنم الحكومات الغربية والأميركية ملء جفونها، فلا أحد سيقارعها أو سيمارس عليها أسلحة دبلوماسية واستثمارية غاية في الأهمية تمتلكها الحكومات العربية، لتحقيق مكاسب قومية سلبت ومن السهل استردادها إذا ما توافرت القناعة والإيمان، ولكن نحن شعوب آثرت السكينة والانخراط في النظام العالمي بإيجابية والمساهمة في أمنه واستقراره.
كاتبة إماراتية