ثمة في الساحة الفلسطينية من لا يزال يعقد رهاناته على أن السياسة الإسرائيلية تشكل ضمانةً لاستمرار حالة الانقسام الشامل والمرير، الذي يضرب الحالة الفلسطينية في عمق حاضرها ومستقبلها منذ يونيو العام الماضي.
رهانات كثيرة تنعقد انطلاقاً من هذا التحليل الذي يتمتع بمصداقية جزئية، لكنه ينطوي أيضاً على قدر من السذاجة لا يمكن غفرانه. صحيح أن إسرائيل صاحبة مصلحة حقيقية في استمرار حالة التشظي والانقسام بين القيادات الرئيسية في الحركة الفلسطينية، والواقع أن هذا الانقسام يستجيب للمخططات الإسرائيلية الرامية لإنهاء القضية والحقوق الفلسطينية، بدفعها نحو دوامة حلول إقليمية تطيح بطموحات الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين.
غير أن إسرائيل وهي تشجع على ذلك، وتدفع الأوضاع الفلسطينية نحو تعميق وتأبيد الانقسام الجاري، إلا أنها لن تسمح لأي طرف فلسطيني بتطوير قدراته وإمكانياته العسكرية والمادية، ذلك أنها اعتمدت بشأن تحقيق أمنها، وعلى الدوام، على الوقائع وليس على الوعود وحتى الاتفاقيات.
لقد فرحت إسرائيل كثيراً بانفجار الأزمة مجدداً بين حركتي حماس وفتح في قطاع غزة، والتي تجاوزت حدودها وأبعادها وتأثيراتها الحدث الذي برر اندلاعها، ونقصد الانفجار الذي وقع على شاطئ غزة في الخامس والعشرين من الشهر الماضي وأوقع ستة ضحايا من بينهم أربعة من كوادر القسام بالإضافة إلى عدد من الجرحى.
في حقيقة الأمر فإن انفجار الأزمة الأخيرة يعود في الأساس إلى انغلاق الخيارات، وفشل المراهنات على إمكانية أن تؤدي التهدئة مع إسرائيل إلى فتح المعابر التجارية، ثم فتح معبر رفح، فالتوصل إلى صفقة جيدة تؤدي إلى إطلاق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين ذوي الأحكام العالية مقابل الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.
فلقد جاءت ردة فعل حركة حماس على تفجير الشاطئ قاسية وشاملة على حركة فتح، وأدت إلى اعتقال مئات من قياداتها وكوادرها وأعضائها، بالإضافة إلى إغلاق نحو مئة وثمانين جمعية ومؤسسة ومقرا ونقابة يشتبه بصلتها مع فتح، هذا بالإضافة إلى سقوط ضحايا وجرحى جراء هجوم قوات أمن حماس على منطقة الشجاعية في مدينة غزة، بدعوى وجود مشتبه فيهم بالمسؤولية عن انفجار الشاطئ يحتمون بعائلة حلس.
وإذا كانت الأزمة الأخيرة قد تسببت في تعميق آلام الفلسطينيين وتراجع آمالهم بالحوار، وإلى تعميق أزمة الثقة، فإن من أسوأ نتائجها هو محاولة العشرات من عائلة حلس الهرب باتجاه إسرائيل، التي أعادت بعضهم ونقلت بعضهم إلى أريحا في الضفة الغربية، فيما تحفظت على القائد الفتحاوي أحمد حلس، بعد أن أخضعته لعلاج في أحد مستشفياتها.
تخلق مثل هذه الحادثة تداعيات أخلاقية خطيرة، وتشير إلى مدى الكراهية التي يتسبب فيها الاستخدام المفرط للعنف في معالجة الخلافات الداخلية بين الأطراف الفلسطينية المتصارعة.
غير أن هذه الأزمة، بقدر ما أنها أفسدت مناخات الحوار، فإنها على ما يبدو شكلت حافزاً لمطالبة مصر بالاستعجال في الدعوة للحوار، حيث بادرت إلى إرسال استفسارات لأربعة عشر فصيلاً، يشكل الجواب عليها جزءاً من الرؤية المصرية للبدء في الحوار والتعرف على آلياته.
وفيما الأزمة لا تزال على أشدها، وارتفعت درجة حرارة التحرك المصري نحو الحوار، وعلى نحو مفاجئ، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكنازي تصريحاً يقول فيه إن إسرائيل تعلم مكان احتجاز الجندي جلعاد شاليط، وتعرف أيضاً هوية خاطفيه.
هذا التصريح تزامن مع تصريح آخر أطلقه وزير الدفاع إيهود باراك، يهدد فيه بإمكانية قيام الجيش الإسرائيلي بعملية عسكرية كبيرة ضد قطاع غزة. مصدر المفاجأة يكمن في كون المسؤولين الإسرائيليين كانا من أبرز القيادات الإسرائيلية التي أغدقت قبل أيام قليلة، في امتداح التهدئة وفي قدرة حركة حماس على ضبط الأمن في قطاع غزة، وأيضاً في أن الفلسطينيين لا يزالون في خضم الأزمة والاشتباك الذي يعمق الانقسام الذي يخدم المصلحة الإسرائيلية.
وفي اعتقادنا أنه بالرغم من أن إسرائيل لم تلتزم بفتح المعابر مقابل التهدئة حسبما تم الاتفاق عليه بوساطة مصرية، غير أن هذه التهدئة قد استنفدت أغراضها من وجهة نظر الجهة الإسرائيلية التي سعت إليها، وهي وزارة الدفاع.
فلقد تأكد باراك أن أولمرت يودع أيامه الأخيرة، وأن زعامة جديدة لحزب كاديما ستتابع الائتلاف الحكومي بعد رحيل أولمرت، ولذلك فإن مصلحة باراك تتطلب القيام بعملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة يتم تجييرها لصالحه، وحيث سيبدو على أنه رجل إسرائيل القوي.
وإذا كانت مثل هذه العملية مؤجلة قليلاً، ارتباطاً بتطورات الأزمة في الحكومة الإسرائيلية، وأيضاً ارتباطاً بإمكانية نجاح القاهرة في دعوة المتصارعين الفلسطينيين إلى الحوار، وهو ما تناهضه إسرائيل بقوة، فإن إطلاق هذه التهديدات في هذه الفترة بالذات، إنما يستهدف الضغط على حركة حماس من أجل القبول بصفقة تريدها حماس بشأن الجندي شاليط، لكن إسرائيل تأمل أن لا تكون مجزية بالنسبة لحماس.
لقد حاولت إسرائيل ابتزاز حركة حماس من خلال الربط بين صفقة شاليط وإمكانية فتح المعابر التجارية، ثم فتح معبر رفح، لكنها لم تنجح في الحصول على مثل هذه الصفقة، نظراً لأن أطرافها كل يسعى لأن تكون لمصلحته، ولذلك فإنها تحاول مرة أخرى تحقيق ذات الهدف من خلال التهديد بعملية عسكرية كبيرة ضد قطاع غزة.
وفي الواقع فإن الصراع العنيف بين الفلسطينيين على خلفية الانقسام العميق الجاري، إنما يوفر لإسرائيل مبررات كافية لشن عدوان بشع ضد الفلسطينيين، بدون أن تنتظر ردود فعل مهمة من قبل المجتمع الدولي، ومن واقع مصلحتها في إبقاء حالة الانقسام وتعميقه، وفي الوقت ذاته إضعاف كافة الأطراف الفلسطينية حتى لا تشكل أي تهديد حاضر أو مستقبلي بالنسبة لإسرائيل.
كاتب فلسطيني