حملت الأيام الأخيرة أخباراً مقلقة جداً عن الأحداث الأكثر خطورة التي تجري في العراق، فهنالك أزمة خطيرة بقيت كامنة لفترة طويلة في نصوص القوانين، فقد نصت عليها المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة الانتقالية الذي وضعته إدارة الحاكم الأميركي برئاسة بريمر، ثم تحولت في الدستور الدائم لتصبح المادة 140 منه ولتستيقظ مؤخراً.
وقد أصبحت المادة 24 في قانون انتخاب مجالس المحافظات- إنها أزمة محافظة كركوك التي يطالب التحالف الكردستاني بضمها إلى إقليم كردستان، ويرفض ذلك التركمان والعرب القاطنون فيها- فلم تستطع اللجان التي كُلفت لتنفيذ متطلبات المادة 58 ثم متطلبات المادة 140 من إنجاز مهامها (إعادة التركيبة السكانية إلى ما كانت عليه قبل التغيير الديمغرافي الذي قام به النظام السابق، ثم إجراء إحصاء للتعرف على نسبة مكوناتها العرقية تمهيداً للخطوة الأخيرة وهي الاستفتاء بشأن مستقبلها) في مقاربة هذه القضية دستورياً وديمقراطيا، ضمن السقف الزمني الذي حددته المادتان المذكورتان، بسبب التعقيد الشديد وحساسية القضية على المستويين المحلي والإقليمي.
الأزمة تفجرت في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم، حين نجح تجمع يضم الكتل السياسية الصغيرة المهمشة في مجلس النواب، انضم إليهم آخرون من الكتل الكبيرة ممن تمرد على قياداته في تمرير قانون انتخاب مجالس المحافظات الذي تضمن المادة 24 الخاصة بمحافظة كركوك- سارع رئيس الجمهورية ونائبه الأول إثر ذلك إلى استخدام صلاحياتهما الدستورية لنقض ما توصل إليه المجلس، وإرجاع القانون لإعادة النظر بهذه المادة بشكل خاص وإعادة صياغات مواد أخرى أقل أهمية.
ومنذ تفجر هذه الأزمة شهدت العاصمة بغداد لقاءات مكثفة على مدار ساعات الليل والنهار، لاحتواء تداعياتها وبغية التوصل إلى حل يرضي الفرقاء المعنيين أولاً، ويطمئن بقية العراقيين على وحدة بلدهم، سواء بالاستعانة بالمقترحات المقدمة من ممثل الأمم المتحدة ستيفان ديمستورا أو المقترحات التي تقدمت بها أطراف عراقية أخرى خارج دائرة الصراع - ولم يكن السفيران الأميركي والبريطاني غائبين عن بعض هذه اللقاءات، كما لم يكن الرئيس الأميركي نفسه بعيداً عن أجوائها.
أسباب عديدة تكمن وراء نجاح الكتل النيابية الصغيرة في إمرار قانون انتخابات مجالس المحافظات، منها:
1- الفشل في التوافق حول هذه القضية بين الفرقاء المعنيين، وهم الأكراد والتركمان والعرب، بسبب ضعف الثقة والتشكك في النوايا.
2- هشاشة التحالفات التي عقدها التحالف الكردستاني مع الكتل الأخرى، لأنها لم تبن على أسس الثوابت الوطنية، وإنما أرسيت وفق مقايضة المصالح.
3- خصوصية المحافظة، فهي نفطية من جهة وفسيفسائية تضم كل الأعراق والأديان والمذاهب في العراق، من جهة أخرى.
4- خطورة القضية وحساسية مقاربتها محلياً وإقليمياً ودولياً، خاصة بعد أن أقحمت الأمم المتحدة نفسها فيها حين أرسلت ممثلاً خاصاً لها وهو ستيفان ديمستورا.
5- النمو الملحوظ في قوة العاصمة بغداد سياسياً، إثر النجاحات التي حققتها الحكومة في فرض القانون وتحسن الوضع الأمني، مقابل تراجع الثقل السياسي للتحالف الكردستاني.
6- التخوف على وحدة العراق، حيث لم تخف بعض الكتل السياسية معارضتها لقانون إنشاء الأقاليم نفسه في وقت سابق.
7- الشكوك حول سعي التحالف الكردستاني إلى الاستفادة من الظرف الخاص الذي يمر به العراق، والذي منحهم موقعاً متميزاً سياسياً وإدارياً وأمنياً لتشكيل دولة خاصة بهم تصبح كركوك المحور الأساسي في اقتصادها.
اتسمت ردود الفعل الكردية إزاء قرار المجلس النيابي بالتشدد والتشنج الذي حملته لغة انفعالية، انعكست في الشعارات التي تصدرت المظاهرات التي شهدتها أبرز المدن الكردية وأدت إلى انهيار الوضع الأمني في مدينة كركوك، بعد وقوع تصادمات عرقية سقط فيها العديد من القتلى وأضعاف ذلك من الجرحى، وهو ما عكس آثاراً سلبية خطيرة على عموم المشهد العراقي، الذي خرج منذ فترة ليست بعيدة من أجواء حرب طائفية كادت تعصف بالبلد.
ولم يتوقف رد الفعل الكردي عند هذا الحد، بل اتخذ 21 عضواً في مجلس محافظة كركوك (قائمة التآخي) قراراً بالطلب إلى إقليم كردستان بالموافقة على ضم المحافظة إلى الإقليم، مما كان له ردود فعل متناقضة، إذ حظي بترحيب جميع المسؤولين في مؤسسات إقليم كردستان، في حين رفضته الأطراف العربية والتركمانية في المحافظة، ولم يحظ بتأييد أية كتلة في المجلس النيابي العراقي سوى كتلة التحالف الكردستاني.
من الصعب تفهم الدوافع التي حدت بالتحالف الكردستاني إلى تصعيد الأزمة إلى هذا المستوى الخطير، فالمبالغة في تقدير قواه وقوى من تحالف معه قد تدفع إلى تبني قراءات خاطئة للخارطة السياسية العراقية التي طرأ عليها الكثير من التغيير في الفترة الأخيرة، فموقفه الأخير قد أفقده تعاطف كثيرين ممن وقفوا على مدى عشرات السنين إلى جانب حقوق الأكراد المشروعة، وكان من المفترض أن لا يفاجأ بنتائج التصويت في مجلس النواب في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم.
فالمبالغة في تحصين مواقعه لمنع تكرار الاضطهاد الذي تعرض له الأكراد إبان حكم النظام السابق، بدأ يثير مخاوف الأطراف الأخرى التي أصبحت تبحث هي الأخرى عن ضمانات سياسية وقانونية مشابهة، لعدم تعرض مصالحها إلى تهديد في المستقبل.
تداعيات أخرى على أصعدة مختلفة لا يمكن التقليل من أهميتها، فلم تخف تركيا قلقها حول ما يجري في كركوك من أحداث وما يصدر من قرارات، ولم تخف وزارة الخارجية الأميركية عدم ارتياحها، فأصدرت بياناً أوضحت فيه معارضتها لأي إجراء منفرد تتخذه جهة واحدة بمعزل عن موافقة الجهات الأخرى، في رفض لما قرره مجلس محافظة كركوك.
كما أصدرت الحكومة العراقية بياناً اعتبرت فيه قرار مجلس المحافظة غير قانوني، وأوضحت بقوة وصراحة على لسان رئيس الوزراء، أن الأمن وفرض القانون هو من اختصاص الدولة حصرياً، وقامت بإرسال فوجين من قوات الجيش العراقي إلى المحافظة.
لن تسفر اللقاءات التي تجرى سوى عن ترحيل هذه الأزمة إلى موعد آخر في العام القادم، لتبقى لغماً قابلاً للانفجار، مما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الحكومة في الفترة المقبلة - فمن المهم بمكان أن لا تكتفي الحكومة العراقية بما قامت به حتى الآن، وهو على أية حال ليس بالكثير، فمسؤوليتها تتطلب أن تأخذ المبادرة وتفرض حضوراً قوياً في المحافظة، يقطع دابر الشك في قدراتها على حفظ الأمن وحماية أرواح الناس، ويقطع الطريق على أي تدخل خارجي محتمل بحجة الدفاع عن هذه الأقلية أو تلك.
كما أصدرت الحكومة العراقية بياناً اعتبرت فيه قرار مجلس المحافظة غير قانوني، وأوضحت بقوة وصراحة على لسان رئيس الوزراء، أن الأمن وفرض القانون هو من اختصاص الدولة حصرياً، وقامت بإرسال فوجين من قوات الجيش العراقي إلى المحافظة.
لن تسفر اللقاءات التي تجرى سوى عن ترحيل هذه الأزمة إلى موعد آخر في العام القادم، لتبقى لغماً قابلاً للانفجار، مما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الحكومة في الفترة المقبلة- فمن المهم بمكان أن لا تكتفي الحكومة العراقية بما قامت به حتى الآن، وهو على أية حال ليس بالكثير، فمسؤوليتها تتطلب أن تأخذ المبادرة وتفرض حضوراً قوياً في المحافظة، يقطع دابر الشك في قدراتها على حفظ الأمن وحماية أرواح الناس، ويقطع الطريق على أي تدخل خارجي محتمل بحجة الدفاع عن هذه الأقلية أو تلك.
