من تقاليد مطبخ السياسة الأميركية أن ترفع الأجهزة الأمنية تقريراً سنوياً موحداً إلى مقامات صناعة القرارات حول القضايا شديدة السخونة داخلياً وخارجياً. وبالنظر إلى التعاون رفيع المستوى وتقاطع المعلومات وتصفيفها وتصنيفها بمهنية واحتراف الذي تأخذ به هذه الأجهزة، فإن المعنيين يتوقعون أن يكون هذا التقرير على درجة عالية من الدقة والصدقية.
كان تقرير العام الماضي بخصوص قضية التسلح الإيراني معاكساً لمعظم، وربما لكل، تقديرات ومزاعم المؤسسات التنفيذية المنغمسة في تحديد السياسة الأميركية الإيرانية.. إذ اتفق 16 جهازاً استخباريا على أن طهران قد أوقفت تطوير برنامجها النووي للأغراض العسكرية منذ عام 2003.
وقتذاك، جاءت ردود الأفعال لتعبر عن مكنونات صدور العواصم المختلفة إزاء تفاعلات ما يعرف بأزمة المشروع النووي الإيراني، والخيارات التي تفضلها القوى الدولية لمعالجة هذه الأزمة. وعليه، بتنا أمام تقرير كاشف لمخبوء نيات الكثيرين، بشأن ما ينتظرونه من تحركات أميركية بالذات في هذا الخصوص.
فالذين تحدوهم الآمال بأن تتريث واشنطن وتفكر ألف مرة قبل الشروع في أية مبادرة عسكرية ضد إيران، ارتاحوا لمحتويات التقرير وأثنوا عليه. والذين يضمرون تصعيد الأزمة حتى إيقاد نار الحرب، اشمأزوا من التقرير وقللوا من شأنه سياسيا وأهالوا عليه التراب إعلامياً. وأظهرت الدوائر الأميركية المتنمرة؛ المحفوزة بأفكار المحافظين الجدد ورؤاهم، حيرة وارتباكا إزاء التقرير.. إذ بدت غير قادرة على رفضه وغير راغبة في العمل بهديه ونصيحته.
وقد وجدت هذه الدوائر حلاً مراوغا لهذه الورطة بأن ذهبت إلى أن التقرير مجرد توصية غير ملزمة لصانع القرار. هكذا قال البيت الأبيض.
على أن إسرائيل وحدها من دون المتابعين الإقليميين والدوليين، جهرت بالغضب العارم وشككت علناً في نتيجة التقرير، وقالت بلا صوابيته وضرورة نبذه.
وعلى مدار الشهور المنصرمة من 2008، اتخذت تل أبيب من ذاتها مرجعية حول سيرورة البرنامج النووي الإيراني، واستخدمت كل ما أوتيت من أدوات التأثير والإيحاء والضغط، لإقناع واشنطن بأن هذا البرنامج مازال ناشطاً وأنه أوشك على الإيناع عسكرياً. ما يدعو للسخرية في هذا الإطار، أن أصحاب هذا التوجه والخطاب من الإسرائيليين أظهروا عجزاً فاضحاً عن استطلاع قدرات حزب الله وطاقاته، التي تقع منهم على مرمى النظر والملاحظة الدائمة.
ومع ذلك، فإنهم حاولوا تخييب جهود وظنون ستة عشر جهازاً استخباريا وتجسسياً تتبع أقوى دولة عرفها التاريخ. ولا يحتاج المرء لذكاء كي يفسر ادعاء البطولة الاستخبارية الإسرائيلية في غير محله وموضعه. فإسرائيل أول المهمومين بتحريض اليد الأميركية الباطشة ضد من تعلن أنه أكبر تحد وخطر إقليمي ينتظرها ويهدد وجودها..
وما زالت الرؤية الغالبة لدى الإسرائيليين هي إيداع الملف الإيراني للتصرف الأميركي، التي يتبناها ويدعو إليها الداهية شيمون بيريز ويؤيدها إيهود أولمرت وعدد من أركان المؤسسة العسكرية، فضلاً عن رئيس جهاز المخابرات أفرايم هاليفي.
لكن هذا الفريق الأخير، الجانح إلى استتباع التصور الأميركي للتعامل مع النووي الإيراني، لا يعجبه تلكؤ واشنطن في استخدام هراواتها ولا اعتمادها على دبلوماسية النفس الطويل والاحتواء السياسي والضغط الاقتصادي. ولذا شارك «المتشددون» في تبكيت التقرير الاستخباري الأميركي المشار إليه.
وفي أواخر يوليو الماضي توافق صناع السياسة الإسرائيليون على إيفاد رئيس أركان الجيش جابي أشكنازي ورئيس دائرة التخطيط في هيئة الأركان يوسي هايمان إلى، واشنطن ليرفعا رأياً إسرائيلياً خلاصته أن إيران ماضية في تطوير أسلحة نووية.
بهذا التصرف، تتطلع إسرائيل إلى الدخول مباشرة وبشكل مسبق، على خطوط التقديرات الأميركية لمعدل الخطر النووي الإيراني.. وإذا ما أفلح هذا المسعى الإسرائيلي فقد يواجه العالم ذات وقت، في نهاية هذا العام أو في مطلع العام المقبل، بتقرير استخباري أميركي موحد، مغاير لتقرير 2007 الذي برأ طهران من عسكرة مشروعها النووي.
لسنا مع القائلين ان السياسة الأميركية حيال إيران، أو الشرق أوسطية عموماً، تصنع في إسرائيل. لكننا ندرك مدى رهافة حاسة السمع الأميركية لأصوات الخراب الإسرائيلية التي لا تكف عن النعيق. كانت هذه الأصوات وما زالت في طليعة المستفيدين من غزو العراق واحتلاله، فيما تبدو عوائد الغزاة الأميركيين أنفسهم غير مؤكدة حتى الساعة. وإن لم تع واشنطن هذا الدرس فقد تقودها النصائح الإسرائيلية المسمومة إلى ما هو أضل سبيلاً.
فلا طهران هي بغداد، ولا نظام صدام حسين هو نظام احمدي نجاد، ولا عالم 2003 وما قبله هو عالم 2008 وما بعده.
كاتب وأكاديمي فلسطيني