مما يبعث على الأسى حقاً أن نشهد أن المشكلات في العالم لم تخف حدتها، رغم الكثير من الأحاديث التي مللنا من سماعها عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي يتقنها من يحتل مواقع هامة تؤهله للعب دور كبير في السياسة العالمية، فالكثير من مناطق العالم يشهد أزمات خطيرة لأسباب عدة.
بعض هذه الأزمات يرجع إلى أسباب اقتصادية حيث يتزايد حجم الفقر في العالم وتزداد الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة سعة مع التوسع في عملية العولمة وتتدخل عوامل جديدة لمضاعفة آثار هذه الأزمات أبرزها الأضرار التي لحقت بالبيئة ومن ضمنها التغيرات المناخية وما جاءت به من موجات جفاف صحبه ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية زادت من معاناة الدول الفقيرة.
وهنالك أزمات كبيرة وخطيرة من نوع آخر ولأسباب أخرى تتعلق بعدم القدرة على التعايش مع الآخرين، بسبب الفوارق في الثقافة أو العرق أو اللون أو الدين أو الطائفة أو المنطقة، أو غير ذلك مما لم يستطع الإنسان السمو عليه وتجاوزه.
إن مما هو جدير بالذكر أن معظم من يشغل المراكز القيادية في العالم، سواء في المواقع الرسمية لصياغة القرار أو في المواقع ذات التأثير الفكري والمعنوي والثقافي، لم يقدم في هذا المجال ما هو إيجابي، إما بسبب إبعاد نفسه عن مقاربة هكذا أزمات أو قاربها بشكل غير سليم فكان في الموقع الخاطئ.
وعلى ذلك فالنتائج التي تحصدها البشرية هي واحدة: المزيد من سفك الدماء، وخلق المزيد من بؤر التوتر، وتراكم مستمر للكراهية، وتأسيس لأزمات قادمة في المستقبل. والحقيقة أن الإنسان المعاصر يواجه مشكلات على مستويات مختلفة، ابتداءً من تفكك العائلة وتفكك المجتمع وتراجع منظومة القيم فيه وتزايد أزمات الفرد وتعاظم الإصابات بالأمراض النفسية، وانتهاءً بمشاكل بيئية خطيرة تهدد مصير البشرية جمعاء.
إلا أن الحروب والخراب الذي تحدثه خلال نشوبها والتداعيات التي تصحب نهاياتها، هي أخطر ما واجه البشرية عبر التاريخ، ولم تتوحد رغبة الغرب والشرق، الغني والفقير، حول قضية قدر ما توحدت في الدعوة إلى تجنبها.
معظم التوترات وبؤر الصراع نشهدها في الشرق، في آسيا وإفريقيا، حيث لا يزال معظم شعوبه أسيرة تقاليد القبيلة، ولا تزال أنظمته السياسية تتسم بالديكتاتورية والقمع رغم أن بعضها يتشح بالديمقراطية غطاءً ليس إلا، ولا تزال شعوبه ترزح تحت هيمنة التيارات الدينية والمذهبية وتقع تحت سلطة من يغرس ثقافات عفا عليها الزمن.
العالم كله ينتظر من يأتي بمنظومة علاجية تطفئ الصراعات المتأججة وتقي العالم من صراعات محتملة وتكرس السلم على مختلف المستويات، وتزيح بعضاً من عذابات ما يزيد على المليار شخص الذين يعيشون تحت خط الفقر والذين سلبت منهم فرصهم ولم يتبق لهم سوى مستقبل غارق في اليأس.
انتهاء الحرب الباردة أشعل صراعات من نوع مختلف في بقاع متعددة من العالم، يرجعها البعض إلى أسس أيديولوجية تحت مسمى صراعات بين الحضارات أو صراعات بين الأديان، مستفيداً من سيناريوهات بعض الأحداث وهوية من اشترك فيها ليضفي عليها قراءته الخاصة، لأسباب سياسية وليست أكاديمية لخدمة الحقيقة.
في هذه الأجواء جرى في شهر يوليو المنصرم لقاءان هامان للذين يمتلكون القدرة على مقاربة مشاكل العالم على مستويين: مستوى صناعة القرار السياسي، ومستوى صناعة البنية الفكرية والثقافية. الأول هو اللقاء السنوي للثماني الكبار الذي عقد في اليابان في السادس من يوليو، والثاني في مدريد في السادس عشر منه، حيث قامت رابطة العالم الإسلامي بتنظيمه بناء على مبادرة العاهل السعودي، وضم هذا اللقاء ما يقرب من 200 شخصية من القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية والبوذية واليهودية، إضافة إلى نخبة من رجال فكر.
وإذا كان مكان عقد لقاء الثماني الكبار من غير دلالة خاصة حيث يعقد عادة في إحدى الدول الثماني، إلا أن عقد اللقاء الثاني في العاصمة الإسبانية له دلالة تاريخية عن أبرز نقاط اللقاء والتماس بين الإسلام والمسيحية.
حفل جدول الأعمال في لقاء الثماني الكبار بقضايا بدأت تقض مضاجع هذه الدول، منها ارتفاع أسعار النفط وأسعار المواد الغذائية، فأولوها من الاهتمام أكثر مما أولوه للقضايا التي تهدد البشرية جمعاء، ومنها التغير المناخي الذي يتحملون بالدرجة الأولى مسؤولية حدوثه. فهذه الدول الصناعية الكبرى في العالم، هي التي تستهلك الجزء الأعظم من مصادر الطاقة، وبالتالي ترجع لأنشطتها الإنتاجية التلوثات البيئية التي أصبحت محسوسة، ومنها الاحتباس الحراري والتلف في طبقة الأوزون وموجات الجفاف والأعاصير المدمرة. وقد عُقد اللقاء كما جرت العادة تحت حراسة مشددة شارك فيها عشرون ألف شرطي ياباني، لحمايتهم من غضب المتظاهرين الذين اعتادوا على رميهم بالحجارة كل عام، تعبيراً عن اتهامهم بالمسؤولية عن مشاكل العالم.
أما في اللقاء الآخر فقد تحاور الحضور حول قضايا بعيدة عن المصالح المادية، وهي قضايا ذات صبغة عالمية تهم الجميع، منها: الصداقة والتفاهم بين الشعوب، والتعاون الدولي، وحقوق الإنسان، والقيم الأخلاقية للإنسان المعاصر، ودور الدين في الحد من الجريمة وإدمان المخدرات والفساد. وركز المتحاورون على متطلبات العيش المشترك، فالسلم والأمن لا يتحققان إلا من خلال زيادة مساحات اللقاء مع الآخرين وتفهمهم.
لا أحد قادر على نكران الفوارق بين الأديان والصدامات التي حدثت في الماضي بينها، إلا أن قراءة متأنية لذلك لا ترى أن جوهر الصراع يكمن في الخلافات بين الأديان، فالأديان لا تتصارع لأن جميعها من غير استثناء تدعو إلى قيم العدالة والصدق والإخاء، وهي مشتركات في صالح البشرية.
مَن الذي يستطيع مقاربة المشاكل التي تواجه العالم بطروحات إيجابية؟ هل يستطيع لقاء مدريد ذلك؟ أم تستطيعه مجموعة الثماني الكبار؟ أم تستطيع ذلك جهة أخرى؟ لقاء مدريد انعقد في أجواء تخيم عليها ظلال النوايا الطيبة للمجتمعين.
حيث جاء كل منهم يحمل معه أفضل ما في كتابه المقدس من مُثل تدعو إلى التآخي والمحبة والسلام. في حين انعقد لقاء الثماني الكبار ليكرس بقاء النظام العالمي الذي تتمتع فيه هذه الدول بالدور القيادي، رغم الخلافات الحادة بين بعضها.
حوار النوايا الطيبة لا يصنع قراراً سياسياً ولا يقدم حلولاً لمشاكل العالم التي هي في الجوهر الفقر والجهل والتخلف، كما أن حوار المصالح لا يكرس غير الفقر والجهل والتخلف.
كاتب عراقي