يتعاطى كثير من الأمهات والآباء مع أبنائهم بكثير من الحذر والحيطة، في تعرية بعض الموضوعات التي تندرج تحت مسمى «الثقافة الجنسية»، خاصة وأن الزمان قد اختلف في مفهوم هذه المعرفة، وأصبح الصغار منفتحين على مختلف الثقافات والمعلومات التي كانت في الماضي «تابو» محرّماً، وأصبحت تقدم للجميع على طبق من ذهب، وبمنتهى السهولة واليسر.

فبمجرد ضغطة زر تتفتح كل الدهاليز المغلقة، ويمكن أن تحدث لوثة عقلية لبعض الكبار فما بال الأطفال والمراهقين! لذا طالب كثير من الدراسات الحديثة بضرورة وأهمية تثقيف الطفل بما يتناسب مع مرحلته العمرية، وأن لا يترك كالقشة في مهب الريح تترنح يمينا وشمالا دون أن تدرك متى يحين السقوط.

وكما هو متعارف عليه في مجتمعاتنا المحافظة، فإن مثل هذه الموضوعات لا يمكن أن يتطرق لها بالنقاش في داخل البيت وحتى بين الزوج وزوجته، لذلك يخفق بعضهم في مواجهة تلك التجارب الطائشة التي قد يتورط فيها أحد الأبناء، دون أن يكون أمامهم متسع من الصراحة المشروعة التي تقرّب المسافات الموحشة بينهم، وبأسلوب علمي إسلامي يقوم على موازنة العلم بالقيم، بعيدا عن الخجل غير المبرر.

ويتصادف أن تكون الأم أو الأب غير مؤهلين لكيفية إدارة الحوار في هذه الموضوعات تحديدا، بحيث لا يتم خدش العلاقة الأبوية المغلفة بالاحترام، لذلك تحتاج مثل هذه الثقافة إلى القيام بالتدرج في إعطاء الطفل جرعات متواصلة تتناسب مع وعيه واستيعابه حتى لا نصحو على حقيقة مؤلمة، في الوقت الذي يفترض أن يقوم الوالدان بتثقيف أنفسهم في فن الحوار مع الأبناء ومواجهة تغير معطيات الواقع الذي لم يترك لا بنتا ولا ولدا في حالهم، وانتفت المقولة الشعبية التي تقول «زي القطط المغمضة».

والملاحظة التي لا تزال مسيطرة على مجتمعاتنا، هي أن مثل هذه الثقافة تجابه بالرفض والاستنكار من قبل الكثيرين، بل وبعضهم من الأكاديميين الذين وصلوا إلى مرحلة متقدمة من التعليم. وظلت فكرة هذه الثقافة أو التربية فكرة محاطة بالتعتيم، ومحاربة بالازدراء، فقط لأن الاستيعاب الذي يقوم على تربية جنسية واعية لا يزال قاصرا على تفهّم مدى الحاجة الملحة لهذه التربية، من باب أن المجتمع بدأ يمر بالعديد من التجارب والمخاضات التي لم تتفش في مرحلة سابقة، نتيجة عدم وجود مثل الانفتاح الذي يتسيّد الآن.

وأصبح التقارب الشديد بين الشباب، بنات وأولاد، يتخطى عتبات الأبواب المغلقة عبر بوابة الانترنت التي يمكن أن تصل إلى حد من الخطورة قد لا تحمد عقباه. وقد يرى البعض أن فرض الرقابة الصارمة على الأبناء، كالتحكم في ساعات جلوسهم على الانترنت أو مراقبة هذه المواقع، قد تفي بالغرض ويحمي هذا الصغير أو ذاك المراهق من الانخراط في دوامة الحياة.

وقد يثني البعض على هذه التدابير، ولكن إذا أردنا كبد الحقيقة فإن حياة الشباب، وخاصة المراهقين منهم، لا تقتصر على تلك الساعات التي يقضيها في البيت وكيف تكون، وإنما في الواقع ما يحدث خارج أسوار المنزل هو الأهم. فحين تعتركه الحياة لا بد أن يكون محصنا ومهيأ لاستقبال الصدمات، وأهم تحصين يمكن أن يتمثل في تعزيز القيم والأخلاق الإسلامية داخل نفوس الأبناء الأعزاء.

فالتربية الجنسية التي نريد هي التي حث عليها الدين الإسلامي، والتي يعرفها رائد علم النفس العربي الدكتور عبد العزيز القوصي بأنها «تمد الفرد بالمعلومات العلمية والخبرات الصالحة والاتجاهات اللازمة والسليمة إزاء المسائل الجنسية، بقدر ما يسمح به نموه الجسمي والفسيولوجي والعقلي والانفعالي والاجتماعي، في إطار الدين والأخلاق مما يؤهله لحسن التوافق في المواقف الجنسية ومواجهة مشكلاته الجنسية في الحاضر والمستقبل، مواجهة واقعية تؤدي إلى الصحة الجنسية».

وحين نتمعن في كثير من التجارب التي نسمعها ونراها، ندرك أن هناك جهلا عميقا بتلك المسائل التي قد تجرف الشباب نحو الانحراف والوقوع في الزلل فيسقط تحت وطأة الإغراءات. لذا حين نفرّغ الأبناء من هذه التحصينات ثم نبدأ مشوارا من الندم، فإن الأولى هو البدء في تبني هذه الأفكار التي تحميهم وتنصرهم على زمانهم، وليس كل ثقافة جنسية يمكن أن تفهم كما يعرفها الغرب بأنها تلك الإباحية في تناول موضوعات الجنس بأسلوب فج.

وإنما الهدف من المطالبة بهذه التربية هو في الأساس تقديم نموذج إسلامي تربوي يحتذى به، وفي الأساس الحصن الحصين لمجتمع يهدف نحو الارتقاء بعقول الشباب الذي يحاط بكثير من الأشواك، دون أن يعي مسؤوليته أمام نفسه وأمام الله.

وتظل المسؤولية الأكبر معلقة في رقاب الآباء والأمهات، وكما تقول الدكتورة هناء برقاوي أستاذة علم الاجتماع في جامعة دمشق: «الصمت هو بطل المواقف التي يجد فيها الأهل أنفسهم في مواجهة مع أبنائهم وأسئلتهم المحرجة، وتبدلاتهم النفسية والجسدية في مرحلة البلوغ والمراهقة، إما لأنهم لا يمتلكون المعلومة الصحيحة التي تناسب عمر ابنهم، أو لأنهم يخجلون إلى الآن من هذه الأحاديث».

فالمطالبة بهذه التربية لا تخرج عن حسن الأدب بل هي تدعو إلى التأدب، ولا تلغي الأخلاق لأنها تحث على التمسك بالأخلاق. فالتربية الجنسية التي يهدف إليها المجتمع، هي تلك التي تبصّر الطفل بتغيراته الفسيولوجية وكيفية التعامل مع تطوره الجسماني، بما يتحكم فيه تطوره العقلي والمعرفي. أي أن النمو لا بد أن يكون متكاملا، وبعيدا عن جموح الشهوات التي ابتلي بها المجتمع، فلنعرّف أبناءنا معنى الحديث الشريف «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين».

كاتبة إماراتية

opinion@albayan.ae