بالطبع. بل إن السفر فنون. ولكل سفر غاية. وإن لم تتحقق هذه الغاية فليس للسفر أي معنى. أكثر الأسئلة التي تطرح علي من قبل طلاب الجامعة: ماذا تعلمت من الفرنسيين بعد أن قضيت معهم 8 سنوات متواصلة؟ وكانت إجابتي في كل مرة: »تعلمت من الفرنسيين كيف يسافرون وكيف يعيشون حياتهم«.
وهذه الإجابة تثير الدهشة لدى الطلاب. فماذا يعني كيف يسافرون؟ فنحن نسافر كل سنة دون أن نطرح هذا السؤال؟
ولو رجعنا إلى بدايات التوسع الإسلامي، أو لنقل إلى تاريخ استقرار الدولة الإسلامية وتفرغ العلماء للبحث العلمي، لوجدنا أن أسفارهم كانت لغايات وأهداف محددة، وليست لمجرد النزهة السطحية. ومنهم من كان يقطع المسافة ما بين المدينة والبصرة والكوفة، لمجرد مسألة في القواعد النحوية.
نحن بالطبع لا نطالب الجميع بالسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية أو إلى البرازيل للبحث عن مسألة نحوية، ولا رياضية، فالانترنت اليوم يأتي بها إلينا قبل أن يرتد إلينا بصرنا. ولكن في الوقت نفسه لا نقطع كل هذه المسافة لكي نلتقط صورة لـ »نملة«، وننشرها بعد ذلك على الانترنت (كما ذكرنا في المقالة السابقة)، والذي يدل على انتشار الفراغ الذهني والثقافي وسوء التوجيه في مجتمعاتنا المعاصرة.
وكما قلت في البداية، فإنني تعلمت من سفري وإقامتي في فرنسا أمورا كثيرة منها كيف أسافر. لقد كنت بصحبة أحد الأصدقاء الفرنسيين وكنا نتجول في شارع الشانزليزيه، وكان في فصل الصيف، أي موسم تزايد أعداد السائحين الذين يقدمون إلى باريس لمجرد الشراء.
مع ذلك لاحظت أن العديد من المحلات كانت مغلقة مع يافطة صغيرة تقول: »مغلق بداعي السفر«. فعلقت على ذلك بأن هذا يعتبر تضييعا لفرصة الاستفادة من السائحين. فرد علي ذلك الشاب الفرنسي باستغراب: إن الفرنسي لا يهمه السائحون بقدر ما يهمه أن يتعلم ويكتشف.
فسألته: ما العلاقة بين الاكتشاف وغلق المحال التجارية؟
فأجابني: إن الفرنسي يعمل 10 شهور ونصف سنويا بكل جدية وكل إخلاص، ويجمع بقدر ما يتمكن من المال، لا لكي يخزنه بعد ذلك في مصارف خاصة وتحت أرقام سرية في سويسرا ونيويورك، فيموت حسرة على ثروته التي سيتنازع عليها ورثته بعده، بل لكي يستمتع بها هو وعائلته في إجازات بعيدة عن صخب الحياة اليومية.
واكتشفت بعد ذلك أن الفرنسي بالفعل يخطط لإجازاته السنوية قبل أكثر من ستة شهور، حيث يقوم بالتنسيق مع عائلته أو مع أصدقائه لاختيار جهة سفر جديدة أخرى يتوجب اكتشافها.
ثم بعد ذلك يضع الميزانية التي يخصصها كاملة لتلك السفرة. وبعد أن يتم الاتفاق على كل شيء، يكون قد حصل على كافة المعلومات الضرورية وقرأ كل ما يتعلق بالبلد الذي ينوي قضاء أجازته فيه، ابتداء من تاريخ المنطقة إلى النقاط السياحية المهمة غير العادية، إلى المطاعم، إلى المتاحف، إلى قوانين تلك الشعوب وعاداتهم، بل ويخطط مسبقا لما يطلق عليه بالفرنسيةItinéraire ، أي خط سير الرحلة في كل خطوة يخطوها.
واكتشفت أن الفرنسي مثلا، نادرا ما يرتاد في البلد الذي يسافر إليه المطاعم الفرنسية أو الخاصة بالوجبات السريعة. فهو يتوق إلى اكتشاف الوجبات الشعبية لذلك البلد، خاصة وأن الفرنسي معروف بحبه للطعام. وكثيرا ما تسأل الأم الفرنسية عن كيفية تحضير بعض الأطباق الشعبية، وبالفعل تشتري المكونات التي قد لا تتوفر في بلدها، وتستمتع بتحضيرها لاحقا لأصدقاء العائلة، على أساس أنها منقولة من شعب المكسيك، أو من الزنجباريين، أو الهنود أو السيبيريين... إلخ.
ثم إن الفرنسي لا تهمه فكرة التسوق في البلد الذي يسافر إليه، إلا لشراء بعض الهدايا الخفيفة التي قد لا تتعدى كاسيت موسيقى أو ميدالية صغيرة أو تحفة تعكس ثقافة تلك الشعوب، إلى درجة أن أحد الإخوة الفرنسيين أحضر لي هدية عبارة عن قطعة حجر صغيرة جدا! وكان مبتهجا بها. لماذا؟ لأنه التقطها من قمة أحد الجبال البعيدة.
وقتها كانت هديته صدمة ثقافية بالنسبة لي. اليوم فقط عرفت قيمة تلك الهدية البسيطة جدا، والتي ماأزال أحتفظ بها معي، بينما أضعت بعدها العديد من الساعات الثمينة وأقلام الماركات المعروفة ومحافظ النقود المصنوعة من الجلد التي تلقيتها من بعض الإخوة من سفراتهم، كتعبير عن عادة أرستقراطية نتمسك بها حتى ولو لم نكن مقتنعين بها.
في إحدى جزر البحر المتوسط، ذهبنا في إحدى المرات إلى أحد الأماكن التي لا يعرفها ولا يعرف كيف يصل إليها إلا سكان تلك الجزيرة، حيث لا علامات ولا شارع مرصوف ولا دليل. وكان صديقنا من تلك الجزيرة يتباهى بأن السائحين الأوروبيين لن يكتشفوا هذا المكان أبدا. فسكان تلك الجزيرة لكثرة السائحين الأوروبيين، قرروا أن يحتفظوا ببعض المناطق التي يجب أن تظل ملكهم، بعيدا عن فضول السائحين. والمكان عبارة عن دير رهبان صغير جدا مختبئ في قمة جبل.
ويعود تاريخه لا أعرف إلى أي عهد، ولكن الوصول إليه كان مشقة ليس بعدها مشقة، حيث تتوقف السيارة عند نقطة معينة ويتوجب علينا بعدها الترجل والسير مشيا على الأقدام لمدة لا تقل عن ساعة ونصف صعودا، وفي طريق ملتو مليء بالحصى والغبار. لكنك تجد نفسك فجأة أمام جنة صغيرة رائعة محاطة بسور ممتد.
روعة وجمال ذلك الدير يتركز في هدوء المكان الذي أقيم فيه، وهو مقطوع عن العالم المادي وعن ترف الحياة، فلا كهرباء ولا مواسير مياه ولا كاميرات مراقبة، وبعيدا عن الأنظار وهو محاط بغابة من الأشجار المثمرة من جميع أصناف الفواكه الطيبة التي تفوح رائحتها من على بعد عشرات الأمتار، وبشلالات المياه الجارية الباردة كبرودة الثلوج التي تغطيها في فصل الشتاء، والتي كنا نغترف منها مرارا دون أن نشعر بالعطش.
واستقبلنا هناك بعض الرهبان من الرجال والنساء الذين قدموا لنا بعض قطع الحلوى التي صنعوها بأيديهم (استبدل السكر فيها بالعسل الذي يقطفونه بأنفسهم)، والذين أخبرونا بأنهم لا يذهبون إلى المدينة إلا نادرا، فهم يزرعون هنا كل شيء: الخضار والفاكهة.. ويأكلون مما يزرعون ويخيطون ثيابهم بأيديهم، بل ومعظم أدويتهم تستخلص من الأعشاب التي تنبت هناك في قمة الجبل. وكل من يزور هذا المعبد يتمنى العيش فيه إلى آخر العمر.
وقد اشترط علي الشخص الذي جاء بي إلى هنا أن لا أخبر أحدا به، فهو معلم خاص لأهالي الجزيرة فقط. لكن صدمته كانت كبيرة جدا بعد مرور خمس دقائق فقط من تجوالنا فيه، عندما وجدنا أنفسنا وجها لوجه مع مجموعة صغيرة من الشباب والشابات الفرنسيات الذين يحملون أمتعتهم على ظهورهم وهم يتجولون ويصورون في جميع أنحائه. كيف وصلوا إلى هنا؟ لا يعلم ذلك إلا الله!
وللحديث بقية...