كان من الممكن لمن يتابع الأوضاع والأحداث على الساحة الفلسطينية أن يتوقع انفجار الأزمة الداخلية مجدداً بأشكال عنيفة، طالما استمرت الضغوط الخارجية من ناحية، وطالما تأخر الحوار الداخلي الذي لم يتحرك منذ أن أطلق الرئيس محمود عباس مبادرته في الرابع من يونيو هذا العام.

فلقد استمرت إسرائيل في خلق المزيد من الوقائع الاستيطانية العدوانية على الأرض، والتي أدت إلى تراجع الآمال بإمكانية تحقيق أي إنجاز عبر المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، رغم كل ما تقوم به الإدارة الأميركية بما في ذلك الاجتماع الذي وقع في واشنطن الأسبوع الماضي بحضور رايس ورئيسي وفدي التفاوض الفلسطيني والإسرائيلي.

ما تقوم به إسرائيل فعلياً، يقطع الطريق على الإدارة الأميركية بتحقيق السلام، وعلى إمكانية تحقيق رؤية الدولتين للرئيس بوش، كما أنه يؤدي في الواقع إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وإفشال استراتيجيتها السلمية.

على الجانب الآخر، تواصل إسرائيل حصارها المشدد على قطاع غزة، وتنكرها للالتزامات التي قطعتها على نفسها أو قبلتها عبر الوساطة المصرية، ارتباطاً باتفاق التهدئة ساري المفعول منذ أكثر من خمسة أسابيع بين قطاع غزة وإسرائيل.

وبالرغم من أن الفلسطينيين أبدوا التزاماً شبه مطلق بوقف العمليات العسكرية من قطاع غزة، حتى اضطر وزير الجيش الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس هيئة أركانه غابي اشكنازي للاعتراف بحقيقة قدرة حماس في غزة على تثبيت التهدئة، إلا أن إسرائيل لم تبادر لفتح المعابر التجارية بما يسمح بتدفق البضائع إلى القطاع.

تراهن إسرائيل على حاجة حركة حماس وتوافق الكل الفلسطيني، لأن تؤدي التهدئة إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، ولذلك فإنها تقوم بعملية ابتزاز، حيث تربط عملياً قضية فتح المعابر التجارية، بملف الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، الذي قد يطول أمر احتجازه لفترة أخرى.

هكذا يتولد لدى الفلسطينيين شعور بالإحباط، فالتهدئة في هذه الحال تصبح مجانية مع إسرائيل، وربما يصعب احتمال استمرارها في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية الصعبة في الضفة الغربية والقدس.

هكذا يبدو الوضع الفلسطيني، المقاومة متوقفة على خلفية اتفاق تهدئة لم يؤد إلى فتح المعابر التجارية، والعملية السلمية تواجه الفشل، عبر وقائع ملموسة ذات أبعاد استراتيجية ومرحلية، والانقسام الفلسطيني لا يزال قائماً والحوار لم يتحقق بعد، فيما تأخر التحرك العربي لرعاية هذا الحوار. الكل الفلسطيني يتعرض لمخاطر قريبة وبعيدة المدى، والآفاق للخروج من هذه الأزمات تبدو وكأنها مغلقة.

في ظل هذه الأوضاع الصعبة، شهد قطاع غزة يوم الجمعة قبل الماضي، الخامس والعشرين من هذا الشهر، ثلاثة انفجارات، أخطرها على شاطئ غزة، وأدى إلى سقوط ست ضحايا من بينهم أربعة كوادر من كتائب الشهيد عز الدين القسام.

اتهام حركة فتح بالمسؤولية عن التفجيرات جاء سريعاً من قبل حركة حماس، التي قالت إن التيار الخياني الهارب هو الذي يقف وراء تلك التفجيرات، غير أنها لم تقدم على ذلك أي دليل مقنع أو ملموس، كما أن التحقيقات لم تنته بعد.

حركة فتح التي نفت تلك الاتهامات عبر تصريحات أدلى بها الرئيس والعديد من الناطقين باسمها في الضفة، وعبر بيان سريع أصدرته اللجنة القيادية للحركة في قطاع غزة، أدان العملية وأعلن براءة فتح منها ومن المسؤولين عنها. حركة فتح اتهمت أطرافاً في حركة حماس بالمسؤولية عن التفجيرات، وقالت إنها ناجمة عن صراعات داخلية وتصفية حسابات.

على أن نفي حركة فتح وإدانتها للتفجيرات التي أدانتها أيضاً كافة فصائل العمل الوطني ومنظمات المجتمع المدني، لم يوقف حالة الغضب الشديد التي انتابت حركة حماس، والتي شنت عبر أجهزة الحكومة المقالة، وكتائب الشهيد عز الدين القسام، حملة واسعة جداً من الاعتقالات لكوادر وأعضاء من فتح.

الحملة التي جردتها حركة حماس اتسعت لتطال عشرات مؤسسات المجتمع والمنظمات الجماهيرية، وكل مؤسسة يشتبه في أنها تابعة لفتح، أو أن فتح تستظل بها، بل لقد اتسعت لتشمل مؤسسات وجمعيات خارج إطار فتح، والعديد من المؤسسات التعليمية مثل مقر معهد الدراسات الإعلامية التابعة لجامعة بيرزيت، ومقر مجلس أمناء جامعة الأزهر، فضلاً عن مقرات فتح، ومنظمة التحرير، وهيئة العمل الوطني.

كرد فعل على ما اعتبرته حركة فتح انقلاباً ثانياً تقوم به حركة حماس يستهدف مؤسساتها ومنظماتها الشعبية والمدنية والسياسية، بعد أن استهدف الانقلاب الأول القضاء على الأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة في غزة، وسحب الأسلحة، لم تجد حركة فتح سبيلاً سوى تجريد حملة اعتقالات في الضفة ضد نشطاء حركة حماس.

الرد الأهم من حركة فتح جاء سياسياً، حيث دعا الرئيس عباس من القاهرة إلى بدء الحوار الوطني، وأكد أن المصريين سيباشرون دعوتهم للفصائل خلال أيام، وكانت أولاها دعوة وفد من حركة حماس قام بزيارة القاهرة يوم الأربعاء الماضي، لكن مصادر حماس قالت إن الوفد يذهب لمناقشة ملفات أخرى وليس من أجل الحوار الوطني.

الوضع النموذجي لحماس هو أن تذهب إلى الحوار بعد أن تكون حصلت على موافقات بفتح معبر رفح، ومن إسرائيل بفتح المعابر التجارية، وربما بإحراز صفقة تبادل للأسرى مقابل الإفراج عن شاليط، ذلك أن مثل هذه الخطوات ستعزز من موقع حماس في الحوار، غير أن الرياح لا تأتي دائماً كما تشتهي السفن.

ويبدو أن الأزمة الصعبة الجديدة بين حركتي فتح وحماس، قد أعادت الأوضاع إلى مرحلة التشاؤم، وطغيان الصراع على لغة الحوار، والعودة إلى أجواء التحريض والتشكيك والاتهامات، التي قد تؤدي إلى إطالة أمد الحوار، وتعقيد إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب ينهي الانقسام ويعيد بناء الوحدة الفلسطينية على أسس أكثر رسوخاً.

وهكذا من سيئ إلى أسوأ يسير الوضع الفلسطيني في ظل استمرار الانقسام والصراع الدامي، فيما تعيش إسرائيل التي تقودها حكومة مأزومة، أسعد لحظاتها وأيامها، بينما لم يستجمع العرب ما يكفي من إرادة التدخل والضغط على أطراف الصراع الفلسطيني، من أجل إنهاء هذه المأساة التي تهدد بوضوح المشروع الوطني والأهداف والحقوق الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com