ذكرت في مقالتي السابقة أنني سأتحدث عن مصير رسالة الشكوى التي كتبتها احتجاجًا على تصرف طبيبة ومجموعة ممرضات في أحد المستشفيات الحكومية. ولا أريد أن أذكر تفاصيل الرسالة لأنني سبق أن ذكرتها في المقالة السابقة، ولكني أريد أن أكشف عن خلل في نظام الشكاوى يجعل صوت الجمهور لا يصل للمسؤولين.
فالشخص المسؤول عن تلقي شكاوى الناس في هذا المستشفى، يحتاج بنفسه إلى من يشتكي منه لأسباب كثيرة، منها أنه لا يعرف فن الاستماع للآخرين، ولن أقول لا يتقنه، لأنه مستوى أعلى من المرجوّ من حالة كالحالة التي رأيتها بأم عيني، والموظفة التي أحالني إليها تصرّ على وجود نظام واحد للشكاوى، وكأنه كتاب منزل، وترفض أن تستوعب وجود احتمالات أخرى.
إن هذه السطور لا تكفي لتصوير التفاصيل الدقيقة لمكتب ضابط الشكاوى الذي ألقيتُ رحلي عنده بعد ذهاب وإياب، لكني سأقول باختصار شديد إن المكتب كان أقرب إلى المجلس (الديوانية)، على الرغم من أنه كان يحتفي في لحظة وصولي بضيف واحد فقط، إلا أن الجو العام للمكتب كان يوحي بأن الجالسين فيه لا علاقة لهما باللوحة المعلقة على الباب من الخارج المكتوب عليها «ضابط الشكاوى».
وعلى الرغم من أنني دخلت وأخبرته أنني أرغب في التقدم بشكوى وذكرت القسم، إلا أنه لم يقل لي إن كان هذا القسم تابعًا له أو لغيره، وتركني أذكر تفاصيل شكواي على الرغم من عدم اهتمامه الواضح، وهذا ما أكّد إحساسي الأولي، وهو أن هذا الشخص لا علاقة له بالدور الذي يجب أن يقوم به وهو جالس على هذا الكرسي.
لقد تأكدتُ وأنا أتحدث مع هذا الشخص، وكل دلائل اللامبالاة ترتسم على محياه وأطرافه، أنه يحتاج إلى من يعطيه دروسًا في أساسيات التعامل مع الناس، وفي فن الاستماع للآخرين، وليس أي آخرين، لأن الذين يأتون إليه لا يأتون ليسألوا عن معلومة، أو ليأخذوا منه ورقة ويذهبوا، بل يأتون ليقدموا شكاوى، أي أنهم أناس مستفزّون أساسًا، ولا يحتاجون إلى استفزاز إضافي ناتج عن عدم اهتمام الشخص المسؤول عن تلقي شكاواهم ولا مبالاته بما يقولون.
إن هذه الوظيفة بالذات تحتاج أشخاصًا مؤهلين تأهيلا فائقًا، بحيث يستطيعون امتصاص غضب الشاكي وسخطه، ولا يزيدونه بلا مبالاتهم وسوء تصرفهم أحيانًا، كما حدث حين قاطعني هذا الموظف نفسه عند رنين هاتف المكتب، إذ إنه بعد أن همّ برفع السماعة أشار إلي بإصبعه «مستئذناً»، فأذنتُ.. واستمتعتُ رغمًا عني لمكالمة شخصية لا علاقة لها بالعمل، دون أن تبدو عليه أية علامة من علامات الإحراج لأنه ترك كلامي معلقًا وانشغل بكلام شخصي أمامي!
حين أنهى مكالمته والتفت إلي ليكمل استماعه بالدرجة ذاتها من اللامبالاة، انتبه حينها بشكل مفاجئ إلى أن الموظفة الموجودة في المكتب المجاور هي المسؤولة عن القسم الذي أعنيه بشكواي، لذلك طلب مني الذهاب إليها!
وهذا دليل على أنه لم يكن يسمعني أساسًا، لقد كان يؤدي وظيفته بالاستماع فقط، ولكنه لم يكن مهتمًا بما يسمع، ولم يكن معنيًا بمعرفة ما أزعجني أو أية تفاصيل ذكرتها أمامه أو لم أذكرها، إلا أنه انتبه في لحظة ما إلى أن الموضوع يمكن أن ينتقل للمكتب المجاور، ففعل مباشرة!
لم يكن الحال في المكتب المجاور أفضل منه عنده؛ فالموظفة مصرة على ضرورة أن تأتي قريبتي بنفسها لتسجل بياناتها على استمارة الشكوى، أو أن تخولني للشكوى بدلا منها، وعجزتُ عن إفهامها بأنني أنا التي أتقدم بالشكوى وليست قريبتي، ولكنها لم تقتنع بذلك لأن قريبتي ـ في نظرها ـ هي التي تضررت وانتظرت، ولست أنا، وكأن المرافق مجرد قطعة خشبية متحركة تمشي مع المريض، وبالتالي فإن وجود قريبتي شرط أساسي للمضي في الشكوى.
كما أنها رفضت أخذ الرسالة التي كتبتها وقالت إن لديها استمارات خاصة للشكاوى، فاستغربت هذا وقلت لها إن كل هذه الإجراءات لا يمكن أن أفهمها إلا على أنها وسائل لصدّ المراجعين عن التقدم بأي شكوى، لكنها لم تبالِ بما أقول، وبقيت مصرة على أن لا حق لي في التقدم بالشكوى طالما أنني لم أكن المريضة نفسها، إنما مرافقة، وكأن على المرافقين أن يقبلوا بأي إساءة يتعرضون لها، لأنهم مرافقون فقط وليسوا مرضى!
إننا نطالب الناس بأن يعبروا عن آرائهم في سلوك الموظفين في الدوائر والمؤسسات المختلفة، ولكن المتقدمين بالشكاوى لا يجدون تفاعلا من المسؤولين في الجهات التي قدموا فيها شكاواهم، سواء بشكل مباشر مع المدير أو الشخص المسؤول، أو من خلال وضع القصاصات في الصناديق الخاصة بالشكاوى والاقتراحات.
وقد ذكر لي هذه المعلومة أكثر من شخص تعليقًا على مقالي السابق.. فهم يضعون أرقام هواتفهم وعناوينهم الإلكترونية في أوراق الشكوى، ولكن لا يتواصل معهم أحد، ولا يهتم بما يكتبونه أو يقولونه أحد، لذلك من الطبيعي أن يُعرض الناس عن التقدم بشكاواهم لأنه عذاب لا طائل من ورائه.
وإذا كان نظام الشكاوى كالنظام في هذا المستشفى الذي أتحدث عنه هنا، فإنني متأكدة أنهم لا يستقبلون في عام كامل إلا عددًا قليلا منها، لأن النظام ينطوي على قدر كبير من التعقيد والتعطيل.
إن كثيرًا من الأطباء والممرضين والموظفين في عدد كبير من مستشفياتنا، في حاجة لأخذ دورات متواصلة في فن التعامل مع المرضى والمراجعين، لأن العلاج والدواء وحده لا يكفي؛ فالعامل النفسي أهم بكثير من كل هذا.
فما فائدة أن تتوافر لدينا أفضل الأجهزة والمعدات الطبية، إذا كان بعض الأطباء يتعاملون مع المرضى باستعلاء بحيث لا ينظر الطبيب إلى المريض وهو يحدثه، ولا يطلب منه الجلوس طوال وجوده عنده في الغرفة، ابتداء من الأسئلة الأولية عن التاريخ الطبي للمريض وحتى صرف الدواء، وهو موقف تعرضت له سيدة أعرفها؟!
كما يجدر بهؤلاء الأطباء والممرضين والموظفين أن يأخذوا دورات مكثفة في قيمة الوقت، وفي كيفية احترام وقت المرضى والمراجعين، بحيث لا يتعطل المراجع الذي يأتي على موعده بسبب تباطؤ طبيب، أو تأخر مراجع آخر عن موعده.
أرجو أن تصل هذه السطور إلى معالي وزير الصحة الذي لا يدّخر جهدًا في سبيل تطوير النظام الصحي في الدولة، ويهمنا جدًا أن نوصل له شيئًا من معاناة بعض المرضى والمراجعين، كي يصل صوتهم للشخص الذي يهمه أمرهم بالفعل.
جامعة الإمارات