بدأت المحكمة العليا التركية مناقشاتها الجدية حول حظر حزب العدالة والتنمية، وليس معروفا المدى الزمني الذي سوف تستغرقه المناقشات لأن الأمر ليس قضائيا ولا قانونيا بحتا، وإنما يتداخل فيه العديد من العوامل والاعتبارات، منها السياسي ومنها الأمني ومنها القانوني.

وعلى الرغم من أن مستشارا لدى المحكمة الدستورية في تركيا، أوصى بعدم حل حزب العدالة والتنمية على خلفية أنشطته المعادية للعلمانية التركية، وفق مسؤولين أتراك، فإن هذا الأمر لا يعد دليلا على أن حكم المحكمة المرجح أن يصدر في شهر أغسطس المقبل، سوف يأتي تنفيذا لتلك التوصية. وكان رئيس هيئة الادعاء التركية قد اتهم حزب العدالة والتنمية بمحاولة إحلال نظام إسلامي محل النظام العلماني القائم في تركيا.

ولسنا في حاجة إلى القول إن حكم المحكمة التركية سيراعي العديد من المواءمات والحساسيات، وهو لن يخضع فقط للاعتبارات القانونية حسبما يعتقد الكثيرون، لأن هذا الحكم سيكون مرحلة نوعية في التاريخ التركي الحديث، سواء على صعيد التوازنات والعلاقات بين القوى السياسية الداخلية المختلفة، أو على صعيد علاقاتها الإقليمية أو الدولية. يكفي فقط أن نقول إن حظر الحزب قد يكون نهاية لحلم تركي قديم في أن تصبح عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي.

والدليل على ذلك هو أن الاتحاد الأوروبي انتقد رسميا محاولة المؤسسة العلمانية التركية حظر النشاط السياسي لسياسيين أتراك بتهم مناهضة قيم الدولة العلمانية، من بينهم رئيس الوزراء التركي ورئيس الجمهورية.

حيث قال مفوض توسيع الاتحاد الأوروبي أولي رين إنه »في أي ديمقراطية أوروبية عادية تناقش القضايا السياسية في البرلمان، وتتخذ القرارات بشأنها في صناديق الاقتراع وليس في قاعات المحاكم«. وقد جاء كلام المفوض الأوروبي تعليقا على قيام المدعي العام التركي بالتوجه إلى القضاء من أجل حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم، ذي الجذور الإسلامية، وحظر النشاط السياسي لزعيم الحزب رجب طيب أردوغان.

وعندما سئل إن كانت هذه القضية يمكن أن تؤثر على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رد أولي رين بقوله: »من الصعب أن أرى أن هذه القضية تحترم المبادئ الديمقراطية لمجتمع أوروبي عادي«. وهو تلميح بأن القضية تؤثر سلبا على فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد. كما حث أولي رين الحكومة التركية على احترام استقلال القضاء، وقال إن »السلطة التنفيذية يجب ألا تتدخل في عمل المحاكم، ويجب على المحاكم ألا تتدخل في الساحة السياسية الديمقراطية«.

يضاف إلى ذلك بالطبع أن حظر الحزب قد يسبب أزمات سياسية تركية، في مقدمتها أنه سيكون بمثابة صدام مع اختيار الناخبين الذين صوتوا بأغلبية غير مسبوقة لصالح حزب العدالة والتنمية، ناهيك عن أنه سوف يخلق حالة فراغ سياسي بسبب عدم وجود أحزاب تستطيع ملء الفراغ الذي سيخلفه حل الحزب، الأمر الذي يعني أن تركيا قد تشهدها حالة من عدم الاستقرار السياسي في هذه الحالة. فكافة استطلاعات الرأي تؤكد أنه ليس هناك حزب أو تحالف حزبي يمكن أن يسد الفراغ الذي سيوجد بعد حظر »العدالة والتنمية«.

وبالطبع فإن خطوة من هذا القبيل يمكن أن تسبب أزمة في العلاقات التركية الأميركية، حيث تريد الولايات المتحدة أن تجعل من هذا الحزب نموذجا للحركات السياسية الإسلامية، وحظره يمكن أن يؤثر على هذه الاستراتيجية الأميركية. ولا يستطيع المراقب أن يستبعد تعرض تركيا لضغوط خارجية من الولايات المتحدة وأوروبا، من أجل وقف إجراءات حظر الحزب، وهو ما يعني أن عوامل عديدة ستلعب دورا في قرار المحكمة.

ومن يتابع السياسة التركية لن يجد عناء في اكتشاف أن »العدالة والتنمية« منذ أن تقدم المدعي العام بطلب حظره، وهو يقف موقف المدافع متوقفا عن سياساته الهجومية التي كانت تريد إعادة أسلمة الدولة أو تبني نمط من العلمانية يختلف عن ذلك الذي كانت تركيا تتبناه منذ عهد مصطفي كمال أتاتورك.

وهذا الأمر هو الذي يستفز النخبة العلمانية التي حركت دعوى حظر الحزب. ومن الممكن القول إن تلك النخبة أدخلت الحزب في حرب استنزاف جعلته يتراجع عن تنفيذ بعض برامجه، وهو ما يمكن معه القول إن النخبة العلمانية يمكن أن تتبنى تكتيك حروب الاستنزاف الصغيرة ضد الحزب من الآن وحتى موعد الانتخابات المقبلة، من دون الحاجة إلى حظره.

فالحاصل أن تركيا لا تستطيع في الوقت الراهن تحمل حظر الحزب، ولا بد للنخبة العلمانية من خيارات أخرى تستعيض بها عن عدم تمكنها من الحظر، وهو الأمر الذي يبدو أنها قد تبنته بالفعل.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com