الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين اعترف صراحة بأنه لم يوفق في محاربة الفساد المستشري في القطاع الاقتصادي في روسيا، والرئيس الجديد مدفيديف صرح للصحافيين من وكالة رويترز بأن مهمته الأساسية هي الحرب على الفساد.

الجميع يعترف بانتشار الفساد في روسيا، وخاصة في الأجهزة الحكومية المتصلة بالقطاع الاقتصادي والإنتاجي، وهذا في الواقع أمر طبيعي في دولة كبيرة تملك ثروات طبيعية هائلة مثل روسيا، هذه الدولة التي خضعت ثرواتها كلها في العهد السوفييتي للسيطرة الكاملة والشاملة من الدولة، مما أعطى البيروقراطية الحكومية نفوذا كبيرا في الدولة.

وعندما انهار الاتحاد السوفييتي لم يرحل موظفو الحكومة، بل بقوا في أماكنهم ومناصبهم وزادت هيمنتهم أكثر بكثير من ذي قبل على الموارد الاقتصادية في ظل ضعف الدولة، الأمر الذي أدى إلى انتشار الفساد والرشوة في كافة مجالات الحياة الاقتصادية. ووصل الفساد حتى إلى القطاع العسكري والنووي، حيث كان كبار الموظفين الحكوميين المهيمنين على مصانع السلاح ومخازن الجيش الكبير وعلى المعامل والمراكز النووية، يبيعون حتى السلاح والوقود النووي في السوق السوداء.

وأكثر من مرة ضبطت في الأسواق الغربية أسلحة وعبوات وقود نووي مخصب بدرجة عالية تباع لمن يملك المال. وإذا كان هذا حال مصانع السلاح ومخازن الجيش والمراكز والمعامل النووية، فكيف يكون الحال في مواقع إنتاج وتصدير مصادر الطاقة مثل النفط والغاز؟ وكيف تكون مصانع الذهب والألماس وغيرها من المعادن الثمينة؟!

لقد كانت التسعينات بلا شك أسوأ فترات التاريخ الروسي، وحتى أسوأ من زمن الحرب العالمية، ولا يمكن أن نتصور أن الرئيس السابق بوتين، رغم كل إنجازاته الكبيرة، قد نجح في مقاومة هذا الفساد الذي استشرى وغطى ربوع الدولة الكبيرة من شرقها لغربها.

وهو إن كان قد فعل الكثير فما زال هناك الكثير والكثير، وعلى ما يبدو أن الرئيس مدفيديف قد قرر أن يبدأ مبكرا بالحرب على الفساد المستشري وسط كبار موظفي الدولة المتصلين بقطاعات الإنتاج والاقتصاد، خاصة وأن هؤلاء كثيرون جدا في هذه القطاعات، بحيث نرى أكثر من نصف القائمين على مصنع كبير من موظفي الدولة البعيدين تماما في تخصصاتهم عن مجال عمل المصنع، ولا أحد يسأل ماذا يفعلون هناك؟

هناك معلومات تفيد أن الحكومة الروسية انتهت من إعداد قرار يكون بمستوى القرارات الثورية، إذ يقضي باستدعاء مندوبي الحكومة في مجالس مديري الشركات الحكومية ليحل محلهم خبراء مستقلون. وهذا يعني أن الدولة تعتزم تخفيف رقابتها على الاقتصاد، كما أشار إلى ذلك رئيس الدولة مدفيديف مؤخرا حين دعا إلى ضرورة »تحرير شركات الدولة من موظفي الدولة«.

ولم تسترع تلك الدعوة انتباه الإعلاميين لأنهم اعتادوا على أن الدولة تسير في الاتجاه المعاكس. فقد ضاعفت الشركات الحكومية حضورها في مجال الصناعة النفطية، مثلا، خلال فترة ما بين عامي 2003 و2008، وهي تستحوذ اليوم على 43% من إنتاج روسيا من النفط. وارتفعت نسبة حضور الدولة في صناعة الطائرات من 30% قبل خمسة أعوام إلى 90% حاليا.

ويمكن القول إن الرئيس مدفيديف فجر المفاجأة حين قال إن الحكومة يكفيها أن يمثلها شخص واحد في مجلس مديري كل شركة حكومية وهو رئيس المجلس، بينما وعد مساعد رئيس الدولة، اركادي دفوركوفيتش، بأن الحكومة ستبدأ في استدعاء مندوبيها لدى الشركات في الأيام القليلة المقبلة.

إنها خطوة ثورية. ويكفي شاهدا على ذلك أن مندوبي الحكومة في إدارات الشركات الحكومية مطالبون بتنفيذ تعليمات الحكومة. وإذا أصبح أعضاء مجالس مديري الشركات مستقلين ليتصرفوا من منطلق مصلحة الشركة لا أحد مساهميها (الحكومة) فإن هذا يكون انقلابا، حيث تخفف الدولة من قبضتها على الشركات الحكومية، وهذه خطوة رئيسية في المعركة ضد الفساد في روسيا.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@kin.ru