خلال العام المنصرم ارتفعت أسعار كثير من المواد الغذائية الرئيسية ارتفاعا باهظا، عانت منه، ولا تزال تعاني، شعوب الدول الفقيرة، وشرائح الدخل المنخفض في الدول الغنية أيضا.

ففي خلال شهور الصيف من سنة 2007 ارتفعت أسعار القمح والأرز والذرة والألبان.. إلخ بمقدار الضعف، ثم زادت مرة أخرى في ربيع العام الحالي.

ولا ينتظر أن تهدأ أسواق الغذاء مع ما يؤدي إليه هذا الارتفاع في الأسعار من مضاربات توقعا لمزيد من الارتفاع، فتؤدي بذاتها إلى ارتفاع جديد، وما يؤدي إليه أيضا من تخفيض المعونات الغذائية التي تمنحها بعض دول الفائض لدول العجز. ذلك أن حجم المعونات يميل إلى الانخفاض عادة كلما ارتفعت الأسعار، إذ يغري هذا الارتفاع الدول المانحة للمعونة بطرح جزء أكبر من فائضها للبيع.

ما الذي أدى إلى هذا الارتفاع؟ هناك أولا سبب قديم، وأقصد به ما تتعرض له أسعار أي سلعة زراعية من تقلب نتيجة لتقلب المناخ. وقد حدث خلال سنة 2007 أن اجتمعت مجموعة من الظروف المناخية غير المواتية في بعض مناطق إنتاج الغذاء الرئيسية: قحط في استراليا، وأمطار غزيرة في أوروبا، وصقيع في الأرجنتين.

الأهم من ذلك استمرار الزيادة الكبيرة في الطلب على الحبوب واللحوم وسائر المنتجات الحيوانية، في الدول التي تشهد ارتفاعا مستمرا في متوسط الدخل ومستوى المعيشة، ومن ثم يزداد طلبها بشدة على الغذاء، خاصة وأن بعضها بدأ هذا النمو السريع من مستويات دخل منخفضة للغاية، فلا بد أن يكون أول ما يزيد عليه الإنفاق هو سلع أساسية كالغذاء، وأن بعض هذه الدول كثيفة السكان، كالصين، من شأن أي زيادة في طلبها على الغذاء أن يؤثر تأثيرا كبيرا على أسعاره.

من الإحصاءات المثيرة تلك التي تقارن مستوى استهلاك الصين من اللحوم منذ أربعين أو خمسين عاما وبينه الآن، إذ تدل على ارتفاع استهلاك الفرد الواحد في الصين (في المتوسط) من 4 كيلو جرامات من اللحوم سنة 1962 إلى 50 كيلو جراما الآن، أي أنه تضاعف 12 مرة.

هناك سبب ثالث يتعلق بزيادة الطلب على الحبوب (خاصة الذرة) كمصدر للطاقة. فها نحن نسمع أن الذرة لم تعد فقط غذاء للإنسان أو الحيوان، كما كنا نظن، بل أصبحت أيضا غذاء للسيارات، إذ أصبح من الممكن أن تنتج منها مادة اسمها «ايثانول»(ethanol) يمكن أن تحل محل الثيرول في استخدامات معينة. هذا الوقود المنتج من الحبوب (والذي يسمى الوقود الحيوي) يستهلك الآن ؟؟% من مجموع إنتاج العالم من الذرة.

وقد صدر في أواخر سنة 2007 قانون من الكونغرس الأميركي يقضي بزيادة الكميات المستخدمة من الذرة كوقود في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 25% و30%، وهي نسبة لا يستهان بها خاصة إذا عرفنا أن الولايات المتحدة تنتج وحدها 40% من إجمالي إنتاج العالم من الذرة.

ما هي الأفكار التي يمكن أن تطرأ على الذهن لدى سماعنا بهذه التطورات؟ قد يخطر في الذهن أولا أن هذه الأزمة العالمية الجديدة تؤكد من جديد (إن كنا ما زلنا في حاجة إلى برهان) أن العولمة ليست خيرا محضا، بل تنطوي على خير وشر.

خير عندما تكون الظروف مواتية فتستطيع دولة أن تواجه أزمتها الغذائية، بسبب سوء الجو مثلا، أو كارثة طبيعية، باستيراد الغذاء الرخيص من الخارج أو من المعونات الأجنبية. والتجارة الخارجية والمعونات الأجنبية صورتان من صور العولمة. ولكن العولمة يمكن أن تكون شرا عندما يؤدي دخول دولة كبيرة بحجم وثقل الصين مثلا (كما يحدث الآن) إلى محيط التجارة الدولية، فيرتفع منسوب المياه، مما يؤدي إلى إغراق القوارب الصغيرة ذات القدرة الضعيفة على المنافسة.

وقد تذكرنا هذه الأزمة من جديد، إن كنا قد نسينا، بأن الاعتماد المتبادل بين الأمم أمر مطلوب ومحمود، ولكن إلى حد معين فقط، وان تحقيق درجة معقولة من الاكتفاء الذاتي، خاصة في سلع كالمواد الغذائية، أمر مطلوب جدا أيضا. فها نحن نرى أن زيادة اعتماد دول كمصر على المعونات الغذائية، خلال الخمسين عاما الماضية، أدت إلى إهمال الزراعة والتضحية بالاكتفاء الذاتي بدرجة أكبر مما ينبغي. وها هي مصر تدفع الآن الثمن.

تعلمنا أزمة الغذاء العالمية أيضا أن نظام السوق لا يرحم. فها هو ارتفاع أسعار البترول يجعل استخدام الذرة كوقود عملا مجزيا اقتصاديا أكثر من استخدامه كغذاء للإنسان والحيوان، فإذا بقانون السوق يدفع إلى التحول إلى استخدامها كوسيلة لقيادة السيارات، بدلا من استخدامها للتمكن من الحياة.

إن هذا يعيد إلى الأذهان ما حدث في بريطانيا في أوائل القرن السادس عشر، أي منذ حوالي خمسة قرون، وهو ما عرف في التاريخ باسم «حركة التسوير»(Enclosure). ذلك أن معظم الأراضي الزراعية في بريطانيا في ذلك الوقت كان يستخدم على المشاع، بحيث يستطيع أي شخص، فقيرا أو غنيا، استخدامها كمصدر للخشب ولرعي حيواناته.

ثم أصبح إنتاج الصوف فجأة عملا مربحا للغاية نتيجة اتساع نطاق التجارة الدولية، ومن ثم لجأ كل من استطاع وضع يده على قطعة من الأرض إلى احتلالها وإقامة أسوار حولها ومنع الآخرين من استخدامها.

كانت النتيجة أن حيوانات الفقراء التي كانت ترعى في هذه الأراضي الشائعة فتجلب الغذاء لأصحابها، حلت محلها حيوانات الأغنياء التي تستخدم لإنتاج الصوف كمصدر للربح.

استخدم «توماس مور» الكاتب والمفكر البريطاني الكبير، في وصف ما حدث في ذلك الوقت التعبير الآتي: «إن الحيوانات أصبحت تلتهم الآدميين»، أي أن إنتاج المزيد من الصوف أدى إلى موت بعض الفقراء جوعا. وها نحن نرى الآن كيف يؤدي إنتاج المزيد من الوقود للسيارات إلى نتيجة مماثلة.

كاتب مصري

sgsaafan@gmail.com