قبل عدة أيام أسدل الستار على الملف الحدودي الذي يربط بين دولة الإمارات وسلطنة عمان، لتنهي الإمارات بذلك فصلاً مهماً من فصول تسوية مشكلاتها الحدودية مع جار مهم لطالما ارتبط مع دولة الإمارات بعلاقات تاريخية وأخوية واجتماعية مشتركة. فالعلاقات الإماراتية العمانية تعود إلى فترات تاريخية قديمة، حيث تذهب جذور هذه العلاقات إلى فترة ظهور القوى السياسية في عمان وذلك على أنقاض دولة اليعاربة.

حيث ظهرت ثلاث قوى رئيسية تمثلت في أسرة آل بوسعيد، وآل بوفلاح، والقواسم، ومن ثم تشكل ما يسمى بالحلف الهنائي والغافري نتيجة ظروف دينية وسياسية واقتصادية، وقد جمعت الظروف التاريخية أسرة آل بوفلاح مع أسرة آل بوسعيد في بوتقة الحلف الهنائي، ومنذ ذلك الوقت جاء التحالف والتعاون بين هاتين الأسرتين في مجالات عديدة، مما كان له أكبر الأثر على امتداد هذا التعاون وحسن الجوار فيما بعد.

أما بالنسبة لمشكلة الحدود فقد ظهرت في فترة تاريخية قديمة كذلك، وزاد من بروز هذه المشكلة تغيير تحالفات القبائل من فترة إلى أخرى وتبدل ولاءاتها الدينية والسياسية، كما ساهم الاستعمار البريطاني كذلك في القرن العشرين في إثارة مشكلة الحدود، وذلك عندما قامت بريطانيا بترسيم الحدود بين الإمارات وعمان ووقوعها في بعض الأخطاء التي كان لها أكبر الأثر في بروز هذه المشكلة في التاريخ المعاصر.

ولكن وبفضل وعي القيادتين الرشيدتين في كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان، جاء ترسيم الحدود بين البلدين وبشكل نهائي، وذلك إيماناً بأهمية مبادئ حسن الجوار وتعميق أواصر التعاون بين الشعبين اللذين يعتبران امتداداً ديمغرافياً واحداً.

في الواقع تعد حدود دولة الإمارات مع سلطنة عمان ثاني أطول حدود لدولة الإمارات مع دولة جارة بعد المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن وضع القواعد والأسس والخرائط النهائية المتفق عليها بين الطرفين يعتبر أمراً هاماً وحاسما يكتب لصالح قيادتي البلدين العزيزين. لقد مرت مراحل ترسيم الحدود بين البلدين بعدة مراحل أساسية: المرحلة الأولى كانت مع اتفاقية عام 1999 التي عقدت في منطقة صحار.

والتي تم بموجبها ترسيم الحدود من شرق العقيدات إلى أم الزمول، ولم يتبق الآن من تنفيذ هذه الاتفاقية سوى التعيين الفني لمنطقة الالتقاء الثلاثي بين دولة الإمارات وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية. المرحلة الثانية كانت مع الاتفاقية التي وقعت عام 2002 وتم بموجبها تخطيط الحدود من شرق العقيدات إلى الدارة.

والمرحلة الثالثة هي المرحلة الحالية والتي تمثلت في الاتفاقية الأخيرة التي وقعت في مسقط يوم الثلاثاء الماضي 22 يوليو 2008، والتي جاءت لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية 2002، حيث تم بموجبها التوقيع على قوائم الإحداثيات والخرائط النهائية الموضحة لخط الحدود الممتد من شرق العقيدات إلى خطم ملاحة، والذي يشمل عدة مناطق هي مدحاء ودبا وتيبات ورأس الدارة وذلك بماسفة (272) كم.

لقد تم التوقيع على اتفاقية الحدود الأخيرة بين الإمارات وعمان في الوقت الذي تحتفل فيه السلطنة بعيد تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في السلطنة، فيا لها من مناسبة تلك التي احتضنت مناسبة التوقيع على اتفاقية الحدود مع الإمارات.

كما أتت هذه الاتفاقية أيضاً في الوقت الذي عبرت فيه دولة الإمارات عن عمق علاقة المودة بين البلدين والشعبين الشقيقين، عندما أمر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات بفتح معبر المضيف الرابط بين مدينة العين التابعة لإمارة أبوظبي وولاية البريمي العمانية. فلقد جاء هذا القرار ليضفي نكهة جديدة على علاقة المودة القائمة بين قيادتي وشعبي البلدين.

نحن جميعاً ندرك أن بقاء ملفات الحدود من دون حل قد تحمل أبعادا خطيرة ولا تصب في مصلحة أي طرف لديه حدود مشتركة مع طرف آخر، فقضايا الحدود تعتبر واحدة من الأسباب الرئيسية التي تولد حالات التوتر ومن ثم الصراعات والحروب بين الدول. لذلك فإن حل قضايا الحدود يعني وبكل بساطة إسدال الستار على نافذة من النوافذ التي يمكن أن يدخل منها غبار الخلافات.

إن الرائع في هذه الاتفاقية هو مسار المفاوضات التي تمت بين الطرفين، حيث إنها سارت بشكل سلس وهادئ وبعيداً عن الضجة، وبعيداً كذلك عن كل ما كان يمكن أن يعكر صفوها. وهنا لا بد لنا من الإشادة في واقع الأمر بالدور الذي لعبه سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء، في دفع التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية إلى الأمام.

فلا ننسى أن سمو الشيخ حمدان كان حاضراً وبشكل كبير منذ بدايات هذا الملف عندما كان وزير الدولة للشؤون الخارجية، فلقد كان هو الدبلوماسي النشط في هذا الموضوع، حيث كان لزياراته المتعددة ومقابلاته المستمرة مع المسؤولين العمانيين دور رئيسي في دفع هذا الملف إلى الأمام، وها هو اليوم نجده ينشط بدبلوماسيته الهادئة لتعزيز هذه الاتفاقية وإيصالها إلى وضعها النهائي.

ولا يمكن لنا أن ننسى في هذا المقام أن هذا الدور الدبلوماسي النشط كان يتم بناء على توجيهات فقيد هذه الأمة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي لم يتوان عن جعل هذا الموضوع أولوية مهمة ضمن أجندة السياسة الخارجية لدولة الإمارات، وكان هو الدافع الحقيقي وراء إنجاح هذا الملف مع أخيه جلالة السلطان قابوس. لقد أدرك الشيخ زايد رحمه الله خطورة الملف الحدودي لدولة الإمارات مع جيرانها.

لذلك حاول رحمه الله أن يضع حداً له من خلال زياراته إلى المملكة العربية السعودية والتوصل إلى اتفاقية عام 1975، وكذلك زياراته إلى إيران في النصف الثاني من سبعينات القرن المنصرم على أمل حل مشاكل الإمارات الحدودية معها. وظلت الدبلوماسية الإماراتية تعمل بشكل نشط وهادئ في هذا المجال، إيماناً منها بأن حل الخلافات الحدودية لا يمكن أن يأتي إلا بتراضي الأطراف وفقاً لمعادلة عادلة للجميع.

واليوم وبعد أن وصلت الإمارات إلى وضع حد لملف حدودها مع عمان، يمكن القول إن الخطوة القادمة هي العمل المشترك مع الجارة الشقيقة المملكة العربية السعودية، كي يتم تخطيط الحدود الأخيرة معها والاتفاق على الخرائط النهائية. وهذا الملف لا يشغل الخارجية الإماراتية لأن العلاقة مع المملكة قوية وعميقة ولن تأتي الآمال إلا مرضية للجميع.

وتبقى الآمال تتجه نحو إيجاد صياغة مع الطرف الإيراني الذي يؤمل منه إبداء حسن النوايا تجاه هذا الملف أسوة بالطرف الإماراتي. فهل إيران مستعدة لذلك أم أن برنامجها النووي قد حجب الرؤية عن مبادئ حسن الجوار وطيب النوايا؟!

كاتبة إماراتية

f_mansouri78@hotmail.com