الحرارة مرتفعة في معظم أنحاء العالم: استراليا، بانكوك، ماليزيا، تايلاند، سنغافورة.. لماذا كل هذا الإصرار على شرق الكرة الأرضية؟ هناك مثلا: السودان، العراق، إيران، الصومال... دارفور.. لنحدد جهة ما.. جهة على الموضة كما يقال.. »العالم كلها تروح استراليا، اشمعنى نحن شيراز؟«

استراليا؟ لم استراليا بالذات؟ لأن جوها بارد في الصيف.. حار في الشتاء.. فالجو هناك بالمقلوب.. ونحن نسافر إلى هناك بالمقلوب أيضا..

فهل يعقل أن نهرب من أحد فصول السنة الكونية الأربعة كالصيف مثلا إلى شتاء آخر؟ صحيح أن صيفنا حار جدا جدا... ولم نعد نشعر بالبرد (كما يدعي نزار قباني)، ولكن صيفنا ليس أكثر حرارة من كره الاستراليين للجاليات العربية بالذات هناك في قارتهم التي احتلوها قبلنا.. فنحن نذهب إليها في كثير من الأحيان ليس بغرض السياحة، بما لهذه الكلمة من دلالات ومعان ودراسات تعج بها مكتبات العالم بالكتب والخرائط ووجهات تزخر بالتراث والتاريخ وكمية من المعلومات الهائلة... إلخ..

ولكن »للتمخطر« في شوارعها جيئة وذهابا، وكأننا قطعنا آلاف الأميال ومشقة عشرات الساعات من التحليق بالطائرة، لننتقل من شارع الضيافة إلى شوارع سيدني.. نذهب لنتفرج على الشعب الاسترالي.. بينما سكان استراليا الأصليون يقيمون في الأدغال، رغم محاولة المدنية الحديثة القضاء على إرثهم وتاريخهم.

ومنعهم من تفضيلهم »لحوم البشر الطازجة واللذيذة جدا« على المعلبات الفاسدة المليئة بالمواد الحافظة والكيميائية التي تجعلها صالحة للاستهلاك لمدة سنة بالتمام والكمال (سبحان الله: من 30/7/2007 لغاية 30/7/2008) مغلقة في علب من الحديد! لكن سكان استراليا الأصليين يقاومون وما زالوا يتبعون نظم الشعوب البدائية... أما الشعب الاسترالي »المتدمدرن« فكلنا يعرف من أين أتي وكيف وصل إلى تلك القارة... وكيف فرض نفسه على الشعب الأصلي أولا، ومن ثم علينا نحن كسائحين.

نقرر الذهاب إلى هناك ونقضي أكثر من 18 ساعة (ذهابا فقط) + 18 ساعة (عودة فقط) = 36 ساعة من التحليق المتواصل والشاق والمرهق للأعصاب، مع أمتعتنا وحقائبنا العشرين ذهابا و40 عند العودة (كل شخص يحمل معه مؤونة شهر ونصف من »الأواعي«على لهجة اللبنانيين).

إضافة على أطفالنا وآبائنا ونسائنا وحريمنا وعباءاتنا وبراقعنا ودشاديشنا. وبالمناسبة، وأنا هنا حول هذه النقطة بالذات في ما يخص الزي الوطني في السفر والسياحة، أحترم وأنحني لهؤلاء الذين يتمسكون بزيهم الوطني أينما ذهبوا، دون أن يشعروا بالحرج أو الخجل منه كما يفعل البعض ممن يلبس البنطال والبدلة والقميص ذي الخطوط الطولية والعرضية الملونة بألوان قوس قزح.

ويقال إن البعض يبدأ في ترتيب نفسه قبل عام بالتمام استعدادا لهذه الرحلة الاستكشافية الكبرى. نعم، نحن في حاجة على الأقل لتعريف الشعوب التي نزورها على بعد آلاف الأميال بحضارتنا المتمثلة على الأقل في زينا الوطني... ولن نتحدث عن بعض ممارسات إخوتنا هناك مما يتناقض مع صور حضارتنا التي بعمر الرسالة المحمدية.

(أحدهم لم يجد غير صورة التقطها لـ»نملة«عادية جدا في شارع استرالي ونشرها على الانترنت!!)...

المهم في اليوم التالي لوصولنا، نتجول في شوارع مدن استراليا.. لكي نواجه هناك نفس الشعب البريطاني مرة أخرى الذي فررنا منه ومللنا من وجهه، وبعد أن استطمع في كرمنا وحتى في أمراضنا ومرضانا.

وبعد أن فقدت مدينة لندن بريقها، تلك المدينة الباردة كالثلج في عز الصيف والتي عثنا فيها خرابا وفسادا على ما يربو على ثلاثين عاما متواصلة من الإقامة الجبرية فيها كل صيف مع أطفالنا.. حتى صرنا إنجليزا أكثر من الإنجليز... آه يا لندن.. لقد ذهب بريقك، وراح زمانك، فقد اكتشفنا زوجة جديدة شابة نزورها كل سنة مرة... ملبورن وسيدني وجولدن كوست. آه يا لندن التي أصبحت تحقد على استراليا بعد أن كانت تحقد على أموال العرب السائبة..

فالأموال العربية أمست تبذر (وليست تستثمر) في مستعمراتها التي استقلت عنها فسرقت منها حتى زبائنها الكرماء.. الطيبين.. الساذجين... لندن أصبحت كأرملة تنكر لها أقرب الناس إليها.. وعندما تسأل أحدهم هل أنت ذاهب إلى لندن هذه السنة؟ يرد عليك بقوله: (أخ خ لاه!.. حد يسير لندن؟) الللللله!! ما انته كنت أبل تلاتين سنة بتحلم في الحروف الأربعة ديات!!

أنا من جانبي لا أحب هذه المدينة على الإطلاق.. على الإطلاق.. أكرهها، أولا تاريخيا: ابتداء من الاستعمار البريطاني للمنطقة، ووعد بلفور، والعدوان الثلاثي وخيانة العرب، وغيرها من الأمور... ثم نفسيا... وهو كرهي الحقيقي لها..

وهذا الكره الحقيقي بدأ من أول لقاء لي معها قبل عشرين عاما. التقيتها مدينة بلا ملامح ولا شعب ولا سماء.. مدينة ضبابية باردة كشعبها.. مدينة لا تعرف الشعوب الأخرى ولا ترغب في التعرف عليها... تعيش في عزلة قاتلة، وعادت اليوم تعيش نفس العزلة. الناس في لندن يمشون بدون هدف واضح ولا ينظرون من حولهم.. وكنت أتساءل إلى أين يذهب كل هؤلاء الإنجليز في شوارع لندن؟ فماذا أحب خليجيو النفط في مدام لندن الباردة؟

نذهب إلى أين، إذن؟

باريس؟ بالطبع... نحن كلنا نحلم باسم باريس، ونسافر إلى »باغي« تبجحا وتلقيدا أكثر منه شيئا آخر... ونظل نذرع شارع الشانزلزيه مئات المرات جيئة وذهابا.. ونقلد الفرنسيين في حياتهم الطبيعية فنجلس نحتسي القهوة على ناصية الشانزليزيه حتى ولو لم نكن نحب القهوة، ونتفرج على المارة والمارة يتفرجون علينا ونحن نلبس البدل ذات الماركات الشهيرة في عز الصيف ونحاول الحديث في السياسة..

بينما نحدق في جنس معين بالذات وكأننا جئنا من أدغال استراليا.. وأحيانا ندخن السجائر (غصبا) ونعطي انطباعا بأننا نقرأ صحيفة اللوموند، وتبرد القهوة في الفنجان، وتظل في مكانها ساعات وساعات والنادل يتمنى رحيلنا قبل طلوع شمس اليوم التالي.. حتى زيارة المتاحف والأماكن الأثرية والسياحية لا تتعدى كونها زيارة عينية لا أكثر..

مع أنه حتى برج إيفل له تاريخ وسيرة طويلة، ومهندس ومناسبة بناء وحساب كميات الحديد وعدد العاملين الذين بنوه، وعدد الذين سقطوا أثناء تشييده... إلخ.. لكننا نغادره ولا نخرج إلا بصورة التقطت أمام قدميه كدليل على زيارتنا له.. آه، أمال إيه؟

شهر ونصف حفظنا فيه كل شبر في الشانزلزيه، حتى تزهق أرواحنا ونعود نبحث عن قارة جديدة أو مدينة جديدة.. دون أن نعرف لماذا وكيف.. وأين؟

وللحديث بقية...

dralaboodi@gmail.com