فيما تتعثر وتتراجع فرص تنفيذ مبادرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشأن إجراء حوار وطني شامل على أساس المبادرة اليمنية ولتنفيذها، دعا إليه في الرابع من يونيو الماضي، فإن الفلسطينيين يجدون أنفسهم وقضيتهم أمام سيناريوهات شديدة الخطورة على مستقبلهم.
فلقد أصبح واضحاً بعد مرور كل هذا الوقت على مبادرة الرئيس عباس، التي أزالت من طريق الحوار عقبة الشروط المسبقة التي ترفضها حماس، أن ثمة عقبات أخرى متنوعة وكثيرة تحول دون انطلاق عجلة الحوار، الذي يفترض أن يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة.
فعدا عما أصبح معروفاً من اعتراض أميركي ـ أوروبي على حوار بين فتح وحماس، قبل أن توافق الأخيرة على شروط الرباعية الدولية، وعدا عن الاعتراض الأكيد الذي تبديه السياسة الإسرائيلية من واقع أن الانقسام يلبي أهدافها ومصالحها، فإن ثمة اعتراضات عربية وفلسطينية أيضاً.
تتمثل الاعتراضات العربية في غياب توافق عربي، خصوصاً بسبب الخلل الذي يعتري العلاقات بين سوريا وكل من مصر والسعودية، وأيضاً في عجز الوضع العربي عن تجاوز الاعتراضات الدولية والإسرائيلية. أما الاعتراضات الفلسطينية فتتمثل في اختلاف الحسابات، وحيث إن مواقف الأطراف الأساسية المتصارعة لم تتعد الترحيب اللفظي، فيما تستمر على الأرض الممارسات التي تدل على استمرار واقع الانقسام.
ويبدو أن الفلسطينيين الذين فقدوا الكثير من قدرتهم على تحديد مصيرهم وقرارهم، لصالح تقدم المخططات الإسرائيلية التي عملت من أجل انقسام الفلسطينيين تمهيداً لتبديد وحدتهم وقضيتهم ومشروعهم الوطني، يبدو أنهم لا يدركون بما يكفي مدى خطورة استمرارهم في العناد والتمسك بأجنداتهم الفصائلية على حساب المصالح الوطنية، إن لم يكن الأمر على علاقة بتدني الوعي الوطني، فإن الأزمة تذهب إلى اختلاف البرامج والمشاريع.
وشعور البعض بأنه صاحب مصلحة في استمرار حالة الانقسام بل تعميقها إلى حد الانفصال، بما يعني أن جزءاً من الفلسطينيين منخرط عن وعي في تدمير المشروع الوطني الفلسطيني.
هكذا يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات محتملة يتجه نحوها الوضع الفلسطيني. السيناريو الأول يتصل بإمكانية استمرار الوضع القائم: انقسام فلسطيني، سلطتان واحدة في الضفة والأخرى في غزة، فيما تستمر إسرائيل في الحفاظ على هذا الوضع وتعميق الانفصال إلى حد العزل النهائي لقطاع غزة عن بقية الحالة الفلسطينية.
وترك الفرصة لنظام سياسي يتبلور في القطاع ثم ينتقل إلى الضفة حيث تعمل إسرائيل على التخلص من التجمعات السكانية هناك، ودفع الأمور نحو كيان آخر منفصل أو مرتبط بالأردن.
يعني ذلك أن إسرائيل تتملص من حل الدولتين، وتدفع نحو واحد من خيارين، إما كيانان فلسطينيان في غزة والضفة، أو إحياء الخيار الأردني، سواء بالعمل على أن يكون الأردن الوطن البديل، وهو ما كان طرحه شارون في ثمانينيات القرن الماضي، وإما نحو حل أردني فلسطيني لقضية الكيانية.
في هذه الحالة تسقط على الطريق وبحكم الأمر الواقع كل قضايا الحل الدائم، من القدس إلى اللاجئين إلى الحدود، ويصبح الأمن في عهدة شروط أخرى غير القائمة الآن أو التي يمكن أن تكون في حال قيام دولة فلسطينية.
السيناريو الثاني، أن تفقد السلطة وظيفتها وصلاحية وجودها، فتبقى الضفة تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما تصبح غزة كانتوناً في ظل حكم ذاتي أو شبه ذاتي. في هذه الحالة أيضاً ستواصل إسرائيل ابتلاع المزيد من الأراضي تحت ذريعة الاستيطان وبسبب الجدار، فضلاً عن ما تجري مصادرته تحت عنوان الأمن، أو باعتبارها مناطق استراتيجية كما هو الحال بالنسبة لمنطقة غور الأردن.
وفي الواقع فإن إسرائيل تقوم بمناورة كبرى تحت عنوان مجاراة الرغبة الدولية في تحقيق السلام، غير أنها تواصل سياسة فرض الوقائع على الأرض، بما في ذلك تقويض دور السلطة في الضفة باعتبارها محل أطماع السياسة الإسرائيلية. إن هذا هو ما يفسر استمرار إسرائيل في بناء الجدار، وفي زيادة الحواجز العسكرية لتقطيع أوصال الضفة والتحكم فيها، وتكثيف الاستيطان وتهويد القدس وعزلها.
وفي المقابل تواصل حصارها لقطاع غزة، والحفاظ على التهدئة بدون أن تدفع ما يترتب عليها من التزامات، وهي لا تمانع في فتح معبر رفح بصيغة أو بأخرى لدفع القطاع نحو مصر، ولكن بعد أن تستثمر الإغلاق لإنجاز صفقة مريحة بشأن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.
السيناريو الثالث، يستند إلى إمكانية توفر إرادة فلسطينية جامعة وحقيقية، لمغادرة منطق وعوامل الانقسام، والذهاب نحو حوار يؤدي إلى إعادة توحيد الصفوف وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة ومختلفة.
وفي هذه الحالة يترتب على الفلسطينيين أن يكونوا مستعدين لدفع ثمن وحدتهم، إذ أن إسرائيل ستعمل بكل ما تستطيع لمنع ذلك. ومن الواضح أن استعادة الوحدة وإعادة ترتيب البيت، تتطلب تضحيات كبيرة ليس أقلها إبداء مرونة سياسية واضحة يمكن أن تكون مفهومة من قبل المجتمع الدولي، بما يحد من قدرة إسرائيل على التأثير.
في هذا الإطار لا بد من أن يلاحظ الفلسطينيون أولاً تمسك العرب بمبادرتهم للسلام وبمواقفهم إزاء القضية الفلسطينية طالما التزم بها أهلها، وأيضاً ملاحظة مؤشرات تطور الموقف والدور الأوروبي، فإذا كان العالم يجمع على رؤية الدولتين، فإن الأوروبيين يتطلعون لتطوير دورهم السياسي فضلاً عن مواصلة دورهم الاقتصادي، وهو أمر جديد جرى الإعلان عنه وتأكيده في مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط الذي انعقد مؤخراً في باريس.
وفي ما أعلنه كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني غولدن براون في إسرائيل والأراضي المحتلة، من مواقف أكثر وضوحاً وتبلوراً إزاء طبيعة الحل السياسي المطروح.
إن تأكيد أولوية هذا الخيار يتطلب من الفلسطينيين أن ينزعوا الذرائع، وأن يتفقوا على طبيعة المصالح الوطنية الفلسطينية، وأن يبادروا هم بأنفسهم لشق الطريق قبل أن تصبح الوقائع التي تصنعها إسرائيل على الأرض أقوى من المواقف والسياسات النظرية.
كاتب فلسطيني