قادة الدول الـ44 الذين اجتمعوا في باريس يوم 13 يوليو الماضي، أضفوا صفة رسمية على مسار برشلونة تحت اسم »الاتحاد من أجل المتوسط«. وأبرز المراقبون ووسائل الإعلام الفرنسية الحدث بكثير من التهليل والحماس، وبتفاؤل مبالغ به في أغلب الأحيان، بل ووصل الأمر بالبعض إلى حد الحديث عن »تحالف جديد بين الشمال والجنوب«.

إذا كان من غير المشكوك فيه أن نيكولا ساركوزي والدبلوماسية الفرنسية قد حققوا نجاحا أكيدا في التوصل إلى عقد هذا الاجتماع الصعب، فإنه ينبغي مع ذلك النظر إلى ما تمّ، بعد مرور فترة زمنية قصيرة، بقدر أكبر من الواقعية والدقّة من أجل تقديم محصّلة أولى.

ينبغي التذكير أوّلا بأن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، بنسخته الأولى التي قدّمها نيكولا ساركوزي، تلكأ كثيرا. وبرزت منذ خريف عام 2007 معارضة شديدة له، خاصة من قبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي رفضت بحزم أن تكون البلدان المجاورة للبحر المتوسط هي وحدها المعنية، واعتبرت أنه إذا تمّ اعتماد ذلك فهناك خطر الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي ذاته.

وبعد أخذ ورد عدّل نيكولا ساركوزي من موقفه، وقبِل أن يتحول الاتحاد المتوسطي إلى الاتحاد من أجل المتوسط، أي أن يتم دمج الاتحاد الأوروبي في المشروع.

إن الخطر يكمن إذن في تكرار الأخطاء المعتادة التي كبحت تطوير العلاقات بين بلدان شمال البحر المتوسط وجنوبه.

في الواقع، إن الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية التي كانت قد بعثت الكثير من الآمال عند انطلاقها في برشلونة عام 1995، خيّبت تلك الآمال ولم تكن على المستوى المطلوب. إن أسباب ذلك التقهقر كثيرة، ومن بينها أن دينامية الشراكة فقدت شيئا فشيئا حيويتها بسبب عدم التكافؤ بين شركاء ما سُمي بمسار برشلونة.

وكانت المفوضية الأوروبية قد تحوّلت مع مرور السنين من مقاربة متعددة الأطراف مع بلدان جنوب البحر المتوسط، إلى مقاربة ثنائية مع كل بلد منها على حدة، خاصة مع تبنّي السياسة الأوروبية للعلاقات مع الجوار إثر انضمام بلدان أوروبا الوسطى والشرقية للاتحاد الأوروبي.

زد على ذلك أن سياسة الجوار التي حلّت محل مسار برشلونة، انكفأت إلى مسألتي الأمن وحرية التجارة. واقتصر مفهوم الأمن عمليا على مسائل الهجرة، وعلى الرؤية المختزلة جدا لدى بلدان شمال المتوسط حيال هذا الملف الحسّاس. وغدت مسألة الرقابة على الهجرات ذات الأهمية الأولى، وحلّت للأسف محل المسألة المركزية المتمثّلة في التنمية.

والآن، إذا كانت عملية إعادة تنشيط مسار برشلونة تقتصر على وصول بلدان الشمال إلى الموارد الطبيعية لبلدان الجنوب، وعلى مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب وفتح الأسواق الاقتصادية، فمن الواضح أن بلدان الجنوب لن توافق.

وهناك بعض المراقبين والمسؤولين في الجنوب، يخشون في الواقع أن يكون الاتحاد من أجل المتوسط محاولة جديدة للحد من ضغوط الهجرة والإرهاب، دون التعرّض للجذور السياسية والاجتماعية لهذه التحديات. ومن الفروض أن تكون الأسباب العميقة لهذه الظواهر هي القاعدة الحقيقية للتضامن بين شركاء الشمال والجنوب.

لقد اتفقت فرنسا وألمانيا على أن تقوم المفوضية الأوروبية بإدراج الاتحاد من أجل المتوسط في إطار مسار برشلونة المجدد. وهنا تُطرح أسئلة عديدة على رأسها: كيف سيتعايش المساران؟ إن المبادرة الفرنسية يمكنها أن تقدّم البعد الإجرائي لمسار برشلونة الجديد، الذي غدا ذا طابع إداري ومؤسساتي أكثر.

لكن ستكون هناك منافسة حقيقية بين المفوضية الأوروبية في بروكسل، والأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط التي ينبغي أن تقام قريبا. وكمؤشر سيئ، لم يستطع المشاركون في قمّة باريس الاتفاق حول مكان تواجد هذه الأمانة، ولا بد من الانتظار حتى شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل لمعرفته.

لقد تبنّت قمة باريس بعد نقاشات طويلة 33 نقطة. وهذه النقاط فيها ما يكفي من الغموض حول الشرق الأوسط كي يمكن تبنّيها بالإجماع. وهنا نتعرّض لسبب ثان لشبه فشل مسار برشلونة، أي لعدم إيجاد حل للنزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي.

وشاء الناس أو أبوا فإن هذه المسألة لا تزال مركزية في العلاقات الإقليمية والدولية، وطالما أن إسرائيل لا تقبل بتطبيق القانون الدولي وبقرارات الأمم المتحدة، فإنه يمكن اعتبار أن لا تطبيع حقيقيا مع البلدان العربية ذات الأهمية الجوهرية في أي مسار للبناء المتوسطي.

وكان الرئيس ساركوزي قد ردد مرّات كثيرة أن فكرته هي الإكثار من المشاريع المشتركة في المنطقة، بحيث يمكن بمعنى ما غمر النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي وتجاوزه بواسطة إنجازات ملموسة. ولقد قارن الوضع مع ذلك الذي عرفته أوروبا غداة الحرب العالمية الثانية، وشرح أن قيام المجموعة الأوروبية للفحم والحديد هو الذي سمح بإحلال السلام.

هذا تشبيه خاطئ تماما. ذلك أن الإرادة السياسية في إقامة السلام، هي التي سمحت لاحقا بإقامة مشاريع ملموسة. والوضع في الشرق الأوسط اليوم مختلف تماما. إن التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام محمود عباس ونيكولا ساركوزي، والقائل بأن الفلسطينيين والإسرائيليين لم يكونوا في أي يوم من الأيام أقرب للسلام مما هم اليوم، لا يثير الطمأنينة.

ففي الواقع لا تكفّ الأوضاع عن التردّي في الأراضي المحتلّة، ولا شيء يدفع للتفاؤل. إن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج، وبالتالي يُخشى أن يواجه الاتحاد من أجل المتوسط صعوبات تجاوز هذه المشكلة عبر إيجاد حل عادل لها.

وكي لا يساء فهمي: إذا كانت المبادرة الفرنسية لها فضل تنشيط النقاش العام حول تحديات المنطقة المتوسطية، وأنها ساهمت في إخراج مسار برشلونة من الخمول الذي كان فيه، فإن مؤشرات كثيرة للأسف تدل أن الإنجازات الواقعية والملموسة لن تكون على الموعد. هذا على عكس التفاؤل الذي خيّم عشية يوم 13 يوليو الجاري في باريس.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ــ باريس

mohaklouf@yahoo.fr