الأفق مصطلح جغرافي له استعمالات كثيرة أخرى قد تكون سياسية أو عسكرية أو أدبية، إلا أنه مهما تعددت المجالات التي يرد فيها هذا المصطلح، يبقى المعنى الجغرافي ملاصقاً له إلى حد كبير.

الأفق بالمعنى الجغرافي هو الخط الذي يبدو لنا في البعيد، حيث تلتقي اليابسة أو يلتقي البحر مع السماء بسبب كروية الأرض، وهو يقع عادة على مسافة ثابتة تعتمد على مدى ارتفاع النقطة التي يُرصد منها عن سطح البحر. من خصائص الأفق أنه يبتعد عنا بمقدار ما نقترب منه، وبعبارة أخرى يبقى الوصول إليه حلماً لا يتحقق.

قادني إلى الحديث عن الأفق ما نشرته وسائل الإعلام العراقية والأميركية مؤخراً عن توصل الطرفين الأميركي والعراقي، من خلال أعلى سلطتين تنفيذيتين في بلديهما في الاجتماع الذي عقد بينهما عبر دائرة تلفزيونية مغلقة في السابع عشر من يوليو الجاري، إلى ما أطلق عليه «أفق زمني عام» لبقاء القوات الأميركية في العراق.

وقد سبقت ذلك تصريحات ترددت هنا وهناك عن جمود في العملية التفاوضية، بسبب وجود خلافات عديدة بين الطرفين، أبرزها إصرار الطرف العراقي على وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية ورفض الطرف الأميركي لذلك.

فقد ورد على لسان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، عند لقائه بالسفراء العرب في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن العراق يسعى إلى وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية، جاء صداه بصوت الرئيس الأميركي نفسه، بعد فترة وجيزة، بالرفض. وكان المفاوض العراقي قد اقترح أن يتم انسحاب القوات الأميركية بشكل كامل من العراق خلال خمس سنوات.

ما نُشر عن الاتفاق الأميركي العراقي هو في الحقيقة توظيف لمصطلح الأفق بالمعنى الجغرافي الحَرفي وهو استحالة الوصول إليه، فالحديث عن الاتفاق على «أفق زمني عام» لبقاء القوات الأميركية، هو تمييع للمطلب العراقي بوضع جدول زمني للانسحاب، ووضعه في إطار غامض زاد من غموضه صفة العمومية التي ورد بها.

وهكذا لوت الذراع الأميركية المفتولة العضلات الذراع العراقية الضعيفة، ليعلن عن التوصل إلى صيغة فضفاضة غير محددة تحتضن الاتفاقية الطويلة الأمد المزمع توقيعها بين العراق والولايات المتحدة، دون أن يُذكر شيء عن أمد هذه الاتفاقية أو عن موعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية، فذلك يتحدد حين الوصول إلى «الأفق الزمني العام» المشار إليه.

وقد تزامن هذا الحدث الهام مع حدث هام آخر وهو انفتاح أميركي نسبي وحذر على إيران، حيث حضر نائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز الاجتماع الذي عقد بين كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي ومنسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا في جنيف في التاسع عشر من يوليو الجاري، إضافة إلى موافقة الطرفين الأميركي والإيراني على فتح مكتب في طهران لرعاية المصالح الأميركية، بعد قطيعة دامت قرابة 30 سنة.

تزامُن الحدثين ليس من قبيل المصادفة بل توقيت محسوب بدقة، فإدارة الرئيس بوش في أمس الحاجة إلى احتواء المعارضة للاتفاقية التي تجري صياغتها مع العراق، وهي على علم تام بحجم التأثير الإيراني في الساحة السياسية العراقية وقدرتها على خلق المتاعب أمام إمرار هذه الاتفاقية.

كما أنها بحاجة إلى طمأنة الرأي العام الأميركي بأنها لا تزال تفضل الخيار الدبلوماسي في التعامل مع الملف النووي الإيراني. وهكذا ستوظف هذه الإدارة الحدثين في الداخل الأميركي لتعزيز مواقع الحزب الجمهوري المزعزعة، قُبيل الانتخابات الرئاسية التي لم يتبق سوى شهور قلائل على موعدها.

الطرفان الأميركي والعراقي لديهما مقارباتهما الخاصة للوجود العسكري الأميركي في العراق، فقد وظف المرشحان للرئاسة الأميركية هذا الموضوع الحساس في الحملة الانتخابية بطريقة أضعفت موقف المرشح الجمهوري.

إلا أن الصيغة الضبابية الجديدة لوضع هذه القوات في «أفق زمني عام»، ستسهم في التقليل من التأثير الذي أحدثه موقف المرشح الديمقراطي باراك أوباما، الذي وعد الناخبين بسحب القوات الأميركية من العراق خلال 16 شهرا من وصوله إلى البيت الأبيض، محرجاً بذلك خصمه الجمهوري جون مكين الذي سبق أن أعلن أن القوات الأميركية ستبقى في العراق مئة سنة.

ولم يتردد الجانب العراقي هو الآخر في توظيف ما حصل وتجييره لصالحه، رغم التخبط في التصريحات ذات العلاقة بهذه الاتفاقية، والتي كان آخرها ما نشرته مجلة دير شبيغل من تأييد رئيس الوزراء العراقي لموقف المرشح الديمقراطي أوباما من الوجود العسكري الأميركي في العراق، ونفي ذلك بعد يوم من نشره.

فقد صرح أحد مستشاري رئيس الوزراء العراقي في اتصال هاتفي مع محطة بي. بي. سي الإخبارية «إن هناك مجموعة قواعد تحكم المفاوضات، أهمها أنه لا قواعد دائمة أو وجود عسكري أميركي دائم في العراق»، متجاهلاً حقيقة أن الاتفاق الجديد يكرس وجوداً أميركياً شبه دائم في قواعد عسكرية شبه دائمة، فالولايات المتحدة بصدد وضع الخطط لتخفيض عدد قواتها في العراق، وليس سحبها بشكل كامل.

وبقدر ما سيكون للتوظيف الأميركي من تأثير إيجابي قوي في الشارع الأميركي لصالح الإدارة الأميركية، سيكون للتوظيف العراقي فعل سلبي معاكس، لاسيما وقد رسم المفاوض العراقي صورة أخرى للرأي العام العراقي، حين أكثر من الحديث عن قوة موقفه وعن رفضه كل ما يمس السيادة الوطنية، وعن عدم السماح بإقامة القواعد العسكرية على أراضيه.

وعن رفضه للوجود الدائم للقوات الأميركية. وزاد على ذلك ما صرح به مستشار الأمن القومي في الثامن من الشهر الجاري عقب لقاءه المرجع الديني علي السيستاني في النجف من أن «الحكومة العراقية ترى آفاقاً واسعة للاستغناء عن القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي العراقية، خاصة بعد تحسن الوضع الأمني وتحقيق العديد من الانجازات على هذا الصعيد».

اللمسات الدبلوماسية والعبارات المختارة بعناية لصياغة الديباجة التي ستحتوي بنود الاتفاقية الأمنية القادمة بين العراق والولايات المتحدة، لا تستطيع أن تخفي الوجه غير الجميل لهذه الاتفاقية، رغم أنها ستساعد على تسويقها في داخل العراق وداخل الولايات المتحدة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae