شاءت لي الأقدار أن أذهب إلى أحد المستشفيات الحكومية عدة مرات خلال اليومين الماضيين مرافقة لإحدى القريبات.
لم أكن أعرف أن الأوضاع تزداد سوءاً في المستشفيات الحكومية في الوقت الذي يجدر بها أن تتحسن، وأن تتجه نحو تحقيق الراحة والرضا للمرضى الذين يأتون محمّلين بآلامهم وأوجاعهم وما يتبعها من هموم ووساوس وأفكار، ولا تحتمل أعصابهم أي انتظار لا مبرر له، أو سوء معاملة في المكان الذي يجب أن يراعي حساسية هؤلاء المرضى وعدم قدرتهم على استيعاب العبارات البسيطة كما يستوعبها الإنسان العادي، فكيف بعبارات تنمّ عن مزاج عصبي أو متهكم أو غير ذلك.
لا أعرف لماذا تغلب على أوجه الكثير من العاملين في مجال الطب ملامح العبوس والغضب، وأحياناً اللا مبالاة، وفي كثير من الأحيان تغيب الملامح أو تتجمد، بحيث لا يعرف محدثُها حقيقةَ الإحساس الذي يختبئ وراءها.
اللافت للنظر في هذا المستشفى الذي يتردد عليه عدد كبير من أفراد أسرتي نظراً لقربه من منطقة سكن العائلة، ان مواعيد المراجعات فيها «تتمطط» حتى أصبح الانتظار لعدة ساعات أمراً طبيعياً لا يكاد يشكو منه أحد من المرضى والمراجعين الذين سلموا أمرهم لله، وقبلوا بواقع المستشفى الوحيد القريب من منطقة سكنهم. إنه مستشفى الانتظار بكل ما تعنيه الكلمة.
في إحدى المرات التي رافقت فيها قريبتي خلال اليومين الماضيين، ثارت ثائرتي بعد أن انتظرتُ معها بما فيه الكفاية بالنسبة لي، إذ مكثنا في غرفة لا يسأل عنا فيها أحد أكثر من نصف ساعة سألت خلالها مرتين عن الطبيبة، وفي المرة الثالثة حين استفسرت عن موعد وصول الطبيبة المنتَظَرة قالوا انتظري قليلاً.. ستأتي، وانتظرت عشر دقائق أخرى.
وكنت قد لمحتُ طبيبة تتمشى وبيدها كوب من الشاي أو غيره، وعدت لأستفسر مرة أخرى فوجدت الطبيبة ذاتها تجلس بين الممرضات ويدور بينهن حديث عادي كما يدور بين أي مجموعة نسوة في وقت فراغهن، فأبديتُ استيائي لأننا ننتظر والطبيبة تجلس لتتبادل الكلام والحكي مع زميلاتها الممرضات، ودار بيني وبينهن حوار طويل لفتت انتباهي فيه عبارة قالتها إحدى الممرضات.
وهي: «عن أي انتظار تتحدثين، إنك لم تنتظري إلا حوالي نصف ساعة، انظري كم يتأخر غيرك من المراجعين والمراجعات»، فقلت لها إنني، بغضّ النظر عن كوني انتظرت حينها خمساً وأربعين دقيقة تقريباً، أرفض أن أنتظر كما ينتظر غيري في حين أن الطبيبة موجودة وتقضي الوقت في الكلام بدلاً من المرور على المرضى، ومن غير الطبيعي أن ينتظر المريض عدة ساعات ليفحصه الطبيب بضع دقائق.
كان الحوار مع ثلة الممرضات عقيماً جداً، والمصيبة أن استهتار الطبيبة بلغ بها حداً خيالياً بالنسبة لي، إذ انسحبت من الحوار لتستجيب لنداء رئيسة قسمها التي طلبتها، وهي تعرف أن عدداً من المريضات ينتظرنها، وذهبت دون أن تهتم بالمريضات، لأن رئيسة القسم أهم! فمصيرها الوظيفي في يد رئيسة القسم، لا في يد هؤلاء المرضى الذين لا يمارسون حقهم الطبيعي في الشكوى على مثل هذا الصنف من الأطباء والطبيبات المستهترين منهم والمستهترات.
إن هذا يعيدنا إلى ما سبق أن طُرح عدة مرات من قبل، سواء بقلمي أو بأقلام آخرين غيري، وهو ضرورة أن يدرك الأفراد في المجتمع دورهم المهم في ضبط بعض مواطن الخلل التي يعانون منها بأنفسهم، ولكنهم ينتظرون أن تتغير وأن تتحسن بالأماني، وهو ما لا يمكن أن يحدث.
إن من واجب كل واحد منا أن يوصل للمسؤولين رأيه ـ سلباً أو إيجاباً ـ في أداء أي شخص يشعر أن عليه أن يقول كلمة في حقه، تنفعه وتنفع غيره. فإذا رأى أنه يقوم بدوره على أفضل وجه، وأنه يصلح أن يكون قدوة حسنة لغيره من الموظفين في نطاق عمله وخارج نطاق عمله، فمن واجب هذا المراجع أن يعبر عن رأيه هذا من خلال ورقة صغيرة يضعها في الصناديق المعلقة في معظم دوائرنا ومؤسساتنا.
لكنها شبه فارغة تنتظر أن يُنظَر إليها بعين الاهتمام من قِبَل المراجعين الذين يمرون عليها مرور الكرام، دون أن يستغلوا وقتهم الطويل الذي يقضونه في الانتظار دون فائدة، ليكتبوا «رأيهم» ويوصلوه إلى من يهمه الأمر، دون عناء يُذكر.
والأمر نفسه يُقال عن الموظف الذي يعطل المراجعين، ويتفنن في طرائق تعذيبهم، ويوجد لهم بدائل في كل مرة تضمن له ألا يتسرب الملل في نفوسهم من تكرار الطريقة ذاتها في التعطيل والتعذيب. إن من واجبنا جميعاً أن نضع «نقطة سوداء» في سجل كل موظف يتكاسل عن أداء دوره، أو يفهم حقيقة دوره من خلال مقعده الوظيفي فهماً خاطئاً.
إن المنطق الذي حاجّتني به تلك الممرضة غريب بالفعل، فهي تعتقد أن الطبيعي هو أن أنتظر عدة ساعات قبل أن أفقد أعصابي، وان انتظاري لمدة تقل عن ساعة واحدة لا يبرر استيائي أمامها، بل يثير استغرابها، وربما استهجانها.
وإذا كان هذا هو حال الأطباء والممرضين، وبين أيديهم أرواح بشرية، يحتمل التأخر في التعامل مع بعض حالاتها، أو التكاسل في فحصها، عواقب وخيمة، فكيف يكون حال غيرهم من «الموظفين» الذين يبتعد مجال عملهم عن «الروح البشرية» بشكل مباشر؟
هذا سؤال واحد من جملة أسئلة طرأت على ذهني حينها، وأنا أواصل انتظاري رأفة بقريبتي التي طال انتظارها ولا بد من أن ترى الطبيبة بعد كل هذا العناء، ولكني كتبتُ رسالة شكوى لمدير المستشفى ووضعتها في حقيبتي لأسلمها له يداً بيد. وكان من جملة تلك الأسئلة أيضاً سؤال مهم يتعلق بجرأة هاته الممرضات والطبيبة كذلك في إهمال المرضى على ذلك النحو السافر، واطمئنانهن إلى عدم تعرضهن للعقوبة، وإلا لما كان هذا هو حالهن وسلوكهن مع المرضى والمراجعين.
ربما من الأفضل أن يُقر نظام «النقاط السوداء» في المستشفيات والعيادات الحكومية والخاصة، حتى يتحرك أفراد المجتمع تحركاً إيجابياً نحو التعبير عن السلوكيات التي لا تعجبهم من العاملين في المجال الطبي، وحينها قد يلتفت هؤلاء العاملون إلى سلوكهم في التعامل مع «الأرواح البشرية».
وإن لم يفعلوا ذلك من أجل هذه الأرواح، فعلى الأقل سيفعلونه خوفاً من «النقاط السوداء» التي قد تحرمهم من ممارسة المهنة لمدة عام كامل في حال استيفاء عدد النقاط كاملاً. أما مصير رسالة الشكوى، فأعتقد أنه يصلح لأن يكون موضوع المقالة المقبلة.
جامعة الامارات