لطالما علل فقهاء السياسة الغربيون غياب الممارسة الديمقراطية في الرحاب العربية بحكم العسكر. وجاء حين من الدهر، لاسيما بعيد هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1948، جادل فيه بعض هؤلاء الفقهاء بأن الانقلابات العسكرية التي تلت الحرب، مسؤولة خطياً ومباشرة عن تخلف العرب ديمقراطياً.. ومنهم من ذهب إلى مديات أبعد، حين زعم أن قادة هذه الانقلابات أضمروا استمرارية الحرب مع إسرائيل لتأبيد سيطرتهم على البلاد والعباد.

ما نطرحه هنا هو عدم دقة، وربما عدم صحة، هذه المقولات. فلا حضور الديمقراطية أو اختفاؤها معلق بذمة حكم الجنرالات فقط، ولا نتائج حرب 1948 هي السبب المباشر لعسكرة النظم العربية، وقطعاً لا صلة عضوية بين إقرار تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي العربي وبين حلول الديمقراطية وإيناعها في بلاد العرب..

لماذا؟ أولاً، لأن نظرية النظم السياسية عموماً لا تملك حجة داحضة على كون حكم العسكر سبباً وحيداً للدكتاتورية أو السلطوية.. النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والشمولية السوفيتية، لم تقم على أكتاف جنرالات. ولم يرم أحد النظام الفرنسي أو الأميركي باللا ديمقراطية حين تربع على حكمهما الجنرالان ديجول وأيزنهاور على التوالي.

وثانياً، لأن الاعتقاد بأن هزيمة 1948 هي الأب الروحي للانقلابات (أو الثورات) العربية العسكرية، هو مجرد خطأ شائع. هناك نظم عربية استمرأت تلك الهزيمة ولم يطلها انقلاب واحد منذ ستين عاماً!

وثالثاً، لأن هناك نظما عربية لا هي شاركت في الحروب الإسرائيلية العربية بشكل مباشر ولا خضعت لحكم العسكر، ومع ذلك لا يمكن وصفها بالديمقراطية. كما أن شراح الديمقراطية، الغربيون منهم والمستغربون، ما زالوا يوجهون سهامهم نحو العواصم التي أقامت سلماً مع إسرائيل.

ورابعاً، لأن انقلابات العسكر وانتشارهم على سدات الحكم، كانت ظاهرة لم ينج من أحابيلها سوى القليل من دول العالم الثالث في زمن الحرب الباردة. ولعل عرب ذاك الزمن عرفوا تلك الظاهرة بمعدلات أقل من غيرهم الذين لم يخوضوا صراعات ضروس كشأن العرب مع إسرائيل.

واللافت أن أصحاب نظرية «العسكر واللا ديمقراطية» يتجاوزون حقيقة أن إسرائيل ذاتها، المبرأة لديهم من شبهات الحكم الدكتاتوري، تندرج في سياق الدول المشدودة لسطوة المؤسسة العسكرية والمجمع الصناعي العسكري بالمفهوم الواسع. الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم هذه النظرية والبحث عن عوامل أخرى، علاوة على حكم العسكر، تبرر عُجاف الديمقراطية وضمورها في دنيا العرب وغير العرب.

***

الشراكة الاقتصادية، هي الأخرى، من المفاهيم التي حدث فيها خلط وتشويش، متعمد في الغالب. فالمعتاد والمنطقي أن ينتظر الشريك الاقتصادي من شريكه ما يعضد مواقفه ومطالبه السياسية في معمعة العلاقات الدولية، لاسيما إن كان مشتبكاً في قضايا ساخنة تستدعي ذلك.

لا تخرج الدول العربية إذاً عن المألوف، إن هي تطلعت إلى تأييد أوروبي سياسي ملموس في قضاياها العالقة. فثمة ما هو قديم ومستقر ومتواتر بقوة في حجم التعامل الاقتصادي واتساع في مساحة المصالح المشتركة بين الكتلتين، يسمح بذلك عن جدارة. لكن عزل الاقتصادي عن السياسي يكاد يكون هو النمط السائد في مجرى العلاقات العربية الأوروبية. وهذه حالة مخالفة للمألوف.

المسؤولية في هذا الإطار تقع على عاتق الأوروبيين أولاً والتقصير العربي إزاء هذه المخالفة ثانياً. يستلهم هذا التقدير سوابق التفاعلات الجماعية بين الطرفين. ففي عهد الحوار الأوروبي العربي قبل ثلاثين عاماً، أصر الأوروبيون على فصل الاقتصادي عن السياسي في العلاقات الإقليمية، وفشلت كل المحاولات العربية لإحداث التوازن بين هذين البعدين وتقعيد الحوار على أسس سليمة.

المشهد ذاته تقريباً تكرر في سياق تجربة الشراكة المتوسطية في العقد الأخير. الأمر الذي أفضى لتفريغ الحوار والشراكة من جدواهما. وينشد المستحيل من يتصور أن «الاتحاد المتوسطي» العتيد سيحقق اختراقاً في الاتجاه المعاكس.

الأوروبيون أكثر من يعرف أن النوازع الاتحادية في ما بينهم هم أنفسهم لم تقف على سيقانها ولا حلقت باستقامة، إلا باعتمادها على المزج بين الروافد الاقتصادية والسياسية. فما بالهم يتمنعون في إقرار هذا المبدأ ذاته في علائقهم بالعرب ولا يتعظون بالتجارب السابقة؟

كاتب وأكاديمي فلسطيني

opinion@albayan.ae