سؤال طرحته إحدى الصحف الروسية منذ أيام ولفت اهتمام الكثيرين، وإن كان سياق الحديث يدور عن شيء آخر غير المتوقع للكثيرين، إذ انه من المستبعد تماما حدوث أي انقلاب أو تغيير مفاجئ في مؤسسة الرئاسة في روسيا على المدى القريب أو حتى البعيد، ولا توجد أية مؤشرات لخلافات أو مشاكل في مجرى سريان العمل على المستويين الرئاسي والحكومي، بل على ما يبدو أن التنسيق قائم ومستمر على خير ما يرام بين الجهتين. وما يدور الحديث عنه هنا شيء آخر تماما، يتعلق بسيناريو مطروح منذ سنوات ويخضع لخطط وبرامج عمل قائمة ومستمرة حتى الآن.
إنه سيناريو الوحدة بين روسيا وبيلاروسيا، هذا السيناريو الجاري العمل فيه الآن ويدخل تدريجيا في مراحل متقدمة، والذي إذا حدث قريبا فسيطرح شكل دولة جديدة، فيدرالية كانت أو كونفدرالية، لكنها ستكون دولة جديدة تضم البلدين، الأمر الذي يستلزم معه تغيير الدستور وتشكيل هيئة رئاسة موحدة للبلدين معا.
وقد أثارت الزيارة التي قام بها مؤخرا الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف لجمهورية بيلاروسيا، العديد من التساؤلات حول هذه المسألة.
خاصة وأن موضوع الوحدة بين البلدين شغل حيزاً كبيراً من الحديث أثناء الزيارة، وكان الرئيس الروسي ميدفيديف خلال لقاء مع المقاتلين القدامى في بيلاروسيا في 22 يونيو الماضي (وهو اليوم الذي تحل فيه ذكرى وصول الحرب العالمية الثانية إلى روسيا بهجوم مباغت شنته ألمانيا في 22 يونيو عام 1941) قد قال إن دولة الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا قائمة بالفعل، وأضاف أن زيارته هذه جاءت لتضفي مضمونا حقيقيا على هذه الدولة.
وأعلن الرئيسان الروسي ميدفيديف والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في بيان مشترك تمسكهما بالاتفاق على إنجاز الاتحاد الروسي البيلاروسي، ودعيا إلى ضرورة زيادة التعاون الاقتصادي والعسكري بالحجم الذي يدعم شكل الوحدة في إطار الدولة الجديدة القادمة.
موضوع الوحدة بين البلدين يلقى ترحيبا كبيرا من جميع الأوساط السياسية والشعبية، فالشعبان الروسي والبيلاروسي تقريبا شعب واحد، يجمعهما تاريخ وثقافة وعادات وتقاليد واحدة، كما أن بيلاروسيا كانت وما زالت عمقا استراتيجيا مهما لروسيا في أوروبا. ويذكر أن بيلاروسيا كانت الجمهورية الوحيدة التي سجلت اعتراضها على حل معاهدة الاتحاد السوفييتي، وهي التي طالبت بعد ذلك باتحاد سلافي يضم روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.
ودخول البلدين في إطار دولة واحدة لن يشكل أعباء لأي منهما، فكلا البلدين يتمتع باقتصاد متميز يمكن أن يكمل الآخر بشكل جيد، لكن العنصر الأهم في الوحدة بين البلدين هو الجانب الأمني الاستراتيجي الذي بات مهددا بالنسبة للبلدين، بسبب اقتراب حلف الناتو من حدودهما والإعلان عن نشر نظام الدفاع الصاروخي الأميركي في أراضي البلدان المجاورة، وأيضا انتشار القواعد العسكرية الأميركية في بعض البلدان المجاورة.
وقد سبق أن صرح الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو عام 2007 بترحيب بلاده بالدخول مع روسيا في إطار دولة واحدة، ورشح لوكاشينكو الرئيس السابق بوتين لرئاسة الدولة الجديدة، على أن يبقى هو رئيسا لإقليم بيلاروسيا.
ويرى بعض المحللين ان الوضع الآن قائم ومناسب لتشكيل هذه الدولة، وفق تطورات التنسيق والعمل بين اللجان المشتركة من البلدين القائمة على هذا المشروع، كما يرى المراقبون ان بقاء الرئيس السابق بوتين في منصب رئيس الوزراء في روسيا أمر يبدو استثنائيا، وأن هناك تنسيقا بين الجانبين ربما يكلل قريبا بإعلان الوحدة في إطار دولة كونفدرالية واحدة، لا يوجد مرشح مناسب لرئاستها على الساحة سوى فلاديمير بوتين.
ولا شك أن مثل هذه الخطوة ستشكل صدمة للكثير من الدوائر في الغرب وواشنطن بالتحديد، خاصة وأنها ستعطي ضمانة لاستمرارية الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو فترة طويلة في الحكم، وهو على حد وصف واشنطن أصبح النظام الدكتاتوري الوحيد في أوروبا.
كاتب ومحلل سياسي روسي