يتفطر قلب المرء أحياناً حين يتعمق في بعض الظواهر داخل مجتمعه ويفاجئه أن البعض من المواطنين لا يتجاوب مع هموم ومشكلات هذا الوطن، وتجده غير معني إلا بمصالحه الشخصية. وتنطبق هذه الحقيقة على العديد من الذين قايضوا البيوت والأراضي بالبيع للغريب، لدرجة أنهم ساهموا في تغيير هوية البلد دون وعي أو تعمد، فقط من منطلق سذاجة لا تقرأ المستقبل.

وحين تتصفح تلك الأحياء الجميلة التي احتضنت طفولتك وشبابك ستجد أنها تشوهت لدرجة كبيرة، فما أن يمضي الركب باتجاه المدن الجديدة حتى يحتل الأجنبي بيتك ويستبيح هويتك، والطامة الكبرى أن الأحياء المهجورة والمتروكة للآسيويين قد اتسعت وأصبحت مثل المرض الخبيث الذي لا تستطيع مقاومته ولا حتى اقتلاعه من جذوره!

وإذا أردنا أن نتمعن في جذور هذه الظاهرة، فسنجد أن بعض المواطنين للأسف يلعب دورا كبيرا في استفحالها، كالذي يريد أن يستفيد من هذا العقار بأعلى نسبة ربح ضاربا عرض الحائط بكثير من القيم التي أبسطها حفظ حق الجار الذي يزعجه أن تضيع هويته مع الغرباء. فكثير من أصحاب العقارات يفضلون الأجنبي على المواطن بحجة أن المواطن يتلكأ في دفع الإيجار، رغم أن هذا لا ينطبق على غير المواطن بالضرورة.

ومن جانب آخر نجد أن تملك الأجنبي للعقار هذا يدفعه للاستبداد وللمساومة، فهو كذلك يقوم بمحاربة المواطن الذي استقدمه بتأشيرة، فالكثير من الأجانب الذين تملكوا كثيرا من العقارات، ولاسيما البنايات الشاهقة، يرفضون التأجير للمواطن. وكم عانى بعض المواطنين في رحلة البحث عن عش الزوجية، فيصادف مختلف البشر ويتعرض إلى مواقف صعبة التصديق حين تجد أن الأجنبي في هذا البلد يمتلك أكثر من المواطن!

ولعل هذا هو مربط الفرس، فالأجنبي الذي أتى إلى الدولة وهو يحمل أحلاما بسيطة في العمل، تجده يرتقي بسرعة الصاروخ ويجد السبل ممهدة أمامه، والتسهيلات التي تمنح له إذا أراد أن يتحول إلى مستثمر، أكبر بكثير من تلك التي يحلم بها المواطن الذي تتراوح أحلامه بين المسكن والوظيفة فقط.

إن الخطر الذي يتهدد أمن البلد لا شك أنه يتركز في الخلل الذي نعاني منه في تركيبتنا السكانية، ولكن ما أن نسمع عن تلك الأبراج والمدن التي تباع بأكملها لمستثمرين أجانب يتملكون الأرض ويحظون بالإقامة الدائمة، فإن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب أين الخلل، ولا يمكن أن نحارب الخلل في حين أن البلد أصبح مجرد كانتينات للبيع لمن يدفع أكثر، وأصبح المواطن ينام على كابوس ويصحى على فزع، ولا يخفى أن الخوف يتملك كثيرا من المواطنين الذين يخشون من التحول إلى «سكان أصليين» في ظل أمواج من المهاجرين.

وفي الواقع فإن التجاوزات التي تحيط بعملية البيع والشراء من قبل الأفراد وغيرهم، دفعت الأجانب إلى اتخاذ تدابير احتياطية تنظم وتحافظ على هذا المكتسب، لذا تجدهم يتحكمون في مصير الآخرين ولاسيما المواطن الذي يشعر بالازدراء والإهانة، إلى جانب أن هؤلاء بدأت لهم تأثيراتهم على العمالة الوافدة من أبناء جنسياتهم، ولعبوا دورا في تشجيعهم لإثارة الشغب والقلاقل من أجل مزيد من الحقوق المدعاة.

وإذا أردنا أن نلخص الموقف الذي تعيشه المنطقة الخليجية بشكل عام، فلا بد أن نستوعب بعض الأحاديث والتصريحات الرسمية التي طرقت ناقوس الخطر ولم تخف في مسؤوليتها أمام الله لومة لائم، فبالعودة إلى الحديث المختزل لكثير من القضايا العمالية الحساسة، والذي أجرته صحيفة الشرق الأوسط في وقت سابق من هذا العام مع وزير العمل البحريني الدكتور مجيد العلوي، وضع الوزير كثيرا من النقاط على الحروف.

فقد اتهم بعض رجال الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي ب«الجشع» والبحث عن مصالحهم الخاصة، من دون النظر ل«الخطر» الذي ينتظر المنطقة من جراء «قنبلة» العمالة الوافدة، ووصفها بأنها أخطر من القنبلة النووية، بل ومن أي هجوم إسرائيلي، فكما يؤكد بقوله «إننا أمام تغيير وجه المنطقة وتحويلها إلى منطقة آسيوية بالغالب».

أما حول المشروع الذي اقترحه وزراء العمل الخليجيون بتحديد مدة إقامة العمالة غير الماهرة في دول الخليج بست سنوات فقط، وهو المشروع المعروف بـ 3+3، أي إعطاء العمالة الوافدة مدة أقامة ثلاث سنوات تجدد لمرة واحدة، فقد كشف الدكتور العلوي أن «لوبي التجار الخليجيين هو الذي أحبط هذا المشروع وأوقفه، بعد أن كان في مراحله النهائية للتنفيذ»، وأكد أن التجار الخليجيين بحثوا عن مصالحهم المادية فقط، من دون النظر للآثار الكارثية التي ستقبل عليها المنطقة خلال السنوات القليلة المقبلة. وصعد العلوي من تخوفه مما وصفه ب«تسونامي قادم للخليج».

قائلا إنه يتوقع «وبدون مبالغة أن نرى وزيرا أو عضو برلمان خليجيا من شبه القارة الهندية، بعد عشر سنوات»، مضيفا «لست متشائما، ولكني وزير عمل وأرى بوضوح ما ستصل إليه المنطقة من جراء هذا المد الآسيوي المخيف». ووفقا للعلوي فإن اتفاقية الأمم المتحدة لحماية العمالة المهاجرة «تعطي العمالة حقوقا مدنية تصل إلى حق التوظيف والإقامة وغيرها من الحقوق».

حتى الآن لم توقع دول الخليج والولايات المتحدة على هذه الاتفاقية، لكن من يضمن أن لا توقع دول مجلس التعاون هذه الاتفاقية في أي وقت، وعندها كيف سنحمي منطقتنا من التغير الديمغرافي؟

أسئلة كثيرة طرحها الوزير، ولا تزال الأسئلة الكبيرة تمطر الرؤوس دون أن تبلل يباس الضمير الذي جعل من لا يملك يبيع لمن لا يستحق، ولن نقول إلا كما قيل «أكلنا يوم أكل الثور الأسود».

كاتبة اماراتية

writers@albayan.ae