اختتمت الأسبوع الماضي في باريس القمة التأسيسية للاتحاد من أجل المتوسط التي حضرها 43 رئيس دولة وحكومة، يمثلون دول الاتحاد الأوروبي والبلدان المطلة على حوض البحر المتوسط، بالإضافة إلى الأردن وموريتانيا. وأعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي كان وراء هذا المشروع، الأحد 13 يوليو الحالي رسميا ميلاد الاتحاد، وسيتولى رئاسة دورته الأولى على مدى سنتين بشكل مشترك مع الرئيس المصري حسني مبارك.

وأوضح البيان الختامي أن مبدأ الرئاسة المشتركة بين ممثل عن الاتحاد الأوروبي ومسؤول من الدول المتوسطية غير الأوروبية «سيطبق على القمم وعلى كل الاجتماعات الوزارية ولقاءات كبار الموظفين، وفي الأمانة العامة واللجنة المشتركة الدائمة واجتماعات الخبراء».

وتقرر أن تنعقد قمة الاتحاد كل سنتين، على أن يحتضنها بالتناوب بلد من الاتحاد الأوروبي ودولة متوسطية من خارجه، فيما سيكون اجتماع وزراء خارجية الاتحاد المتوسطي سنويا. ولم يتفق المشاركون في القمة على اختيار مقر الأمانة العامة ولا على أعضائها، إلا أن البيان الختامي أشار إلى أن هاتين المسألتين سيتم الحسم فيهما أثناء لقاء وزراء الخارجية الذي تقرر عقده في نوفمبر المقبل.

وإذا كان الرئيس الفرنسي له عدة أهداف من تأسيس هذا الاتحاد، في مقدمتها البحث عن مجال إقليمي لفرنسا تلعب فيه دورا مركزيا، وإيجاد وسائل يقفز بها على تدني شعبيته داخليا، فإن الدول الأخرى التي انخرطت في الاتحاد لكل منها أهداف مختلفة، الأمر الذي يعني أن تحقيق الاتحاد للنتائج المرجوة منه سيكون أمرا من الصعوبة بمكان.

فليست الخلافات في الرؤى والأهداف تقتصر فقط على جانبي المتوسط، أي شماله الأوروبي وجنوبه العربي، وإنما تمتد إلى خلافات داخل الجانب الأوروبي ذاته، حيث تحفظت دول أوروبية غير متوسطية على المشروع، خاصة وان بعض مشروعاته ستكون بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

وقد ساهم الحوار بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي إلى حد كبير في بلورة توافق أوروبي على المشروع خلال قمة بروكسل في مارس الماضي. وبناء على ذلك تم إدماج مشروع الاتحاد المتوسطي ضمن أجندة السياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي.

وعلى ضوء ذلك أصبح يُنظر إليه أوروبيا كتطوير لمسار برشلونة. ومن هنا ولدت التسمية الجديدة للمشروع: «الاتحاد من أجل المتوسط»، وهو ما يعني أنه حدثت تعديلات على المشروع الأصلي كما كان يريده الرئيس الفرنسي.

لكن صيغة الاتحاد التي اعتمدت في قمة بروكسيل، أظهرت تراجعا ملحوظا في طموحات السياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي. فمقارنة مع مسار برشلونة الذي انطلق عام 1995 بهدف إرساء ما أطلق عليه «منطقة ازدهار متوسطية» قائمة على التبادل الحر بحلول عام 2010، فإن المشروع الجديد يقتصر على مشاريع في ميادين محددة كالبني التحتية والطرق والسكك الحديدية والطاقات المتجددة والبيئة والصحة.

وهكذا فإن قضايا مثل النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور منظمات المجتمع المدني، تغيب عن أجندته في الوقت الذي كانت تشكل إحدى ركائز مسار برشلونة. وهذا الغياب يشكل أبرز مآخذ هيئات المجتمع المدني على المشروع في دول جنوب المتوسط.

وذلك بالطبع إضافة إلى الخلافات حول الأولويات بين طرفي المتوسط، حيث تصر الدول العربية على إعطاء أولوية للقضايا السياسية وعلى الأخص الصراع العربي الإسرائيلي، في الوقت الذي يريد فيه الجانب الأوروبي وعلى رأسه فرنسا أن تكون القضايا الاقتصادية والمشروعات التنموية في مقدمة الأولويات.

ومن خلال ردود أفعال بلدان جنوب المتوسط على مشروع الاتحاد الجديد، نستطيع أن نكتشف وجود حسابات وتوقعات متباينة لدى هذه البلدان من الاتحاد المتوسطي. فالزعيم الليبي معمر القذافي اعتبر خلال لقاء قمة عربية مصغرة في طرابلس الغرب أوائل يونيو الماضي، أن إقامة اتحاد متوسطي دون التشاور مع بلدان الجنوب يشكل إهانة لجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي. لكن باقي الدول العربية المتوسطية شاركت في القمة رغم تفاوت حماسها للمشروع أو تحفظها عليه.

وهذا التباين في المواقف وفي الأهداف قد يخلق مجالا للنزاعات والخلافات داخل الاتحاد، الأمر الذي قد يعيقه عن القيام بوظائفه التي تأسس من أجلها. وفي مقدمة العقبات المنتظرة ما يتعلق بوضع إسرائيل، فهي تعتبر أن هذا الإطار الإقليمي الجديد فتح أمامها أبواب التطبيع مع دول عربية عديدة، ولكن من المستبعد أن توافق الدول العربية على إعطاء إسرائيل هذه الميزة مجانا.

ما يعني أن هذه الدول قد تتوقف في مرحلة ما عن المساهمة في أنشطة الاتحاد احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية، أو تطالب الدول الأوروبية الأعضاء بممارسة الضغوط على إسرائيل من أجل التعامل بجدية مع جهود السلام، ما يعني أن هذا الاتحاد لا يجب التعامل معه كمسلم به الآن، إلى أن تتضح مواقف الدول الداخلة فيه ومدى تجاوبها مع أنشطته.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com