أولاً، هي فضيحة تاريخية في سجل إسرائيل، أيا كان اختلاف وجهات نظرنا. فلم نسمع في يوم من الأيام أن إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية بكل قوتها وأوروبا بكل ساستها والعالم بأسره، أن ركعت إلى هذا المستوى. وهذا الركوع اعترف به حتى أولمرت الحزين على نفسه وعلى شعبه، والذي كان يخطط لزلزلة لبنان وهد أسس وقواعد البنية التحتية لحزب الله والسيطرة على شعوب المنطقة بعد ذلك.

ثانيا، كنا نتابع والعالم بأسره لحظة بلحظة وعلى الهواء مباشرة، مراسم تسليم وتسلم أسرى المقاومة الأحياء وجثامين المقاومين وجثث القتلى الإسرائيليين، بين إسرائيل وحزب الله. ولم يصدق أحد أن عميد الأسرى اللبنانيين ستطأ قدماه أرض لبنان منذ أن خرج منها عام 1979 باتجاه فلسطين.

ثالثا، لأول مرة منذ تفجر النزاعات الطائفية في لبنان، يتوحد لبنان تحت شعار واحد: حرية الأسرى.

رابعا، اعترفت إسرائيل شعبا وحكومة بأن حزب الله (رغم صغر سنه ومحدودية خبرته العسكرية والسياسية)، قد فعل فعلته وضلل إسرائيل وشمت بها أمام العالم على يد مجموعة صغيرة من المقاومين الذين لا يملكون سوى بعض المبادئ والإمكانيات البسيطة.

خامسا، اضطر معظم أنظمة العالم الإسلامي والعربي مرغمة لعدم قدرتها على التفوه بتعليق آخر، إلى تهنئة حزب الله بهذا الإنجاز الذي لا مثيل له.

سادسا، لم تستطع أي دولة عربية أو إسلامية، رغم كل إمكانياتها وقدراتها العسكرية والمادية والبشرية، أن ترغم إسرائيل أو حتى تجبرها على فك أسير واحد بالقوة والتحدي.

سابعا، سمير القنطار. قضية على حدة. يذكرنا بنضال وصبر ونهاية رجل عظيم آخر في تاريخ المقاومة بحجم نيلسون مانديلا، باستثناء أن القنطار دخل السجن وهو في السادسة عشرة من عمره، وبقي فيه لما يقارب الثلاثين عاما متواصلة (بينما قضى مانديلا 27 سنة)، وكان يناضل هو أيضا لتحرير بلده وشعبه، وكلاهما كانا في مواجهة دولة عنصرية لا تعرف الرحمة، وكلاهما خرجا من السجن منتصرا لمبادئه.

ثامنا، إن الدول الظالمة يعود لها الفضل في صنع أبطال تاريخيين تسطر أسماؤهم في سجل تاريخ الدول المظلومة. فمن كان سيسمع عن سمير القنطار لو لم يقبع في سجون العدو طوال هذه المدة؟

تاسعا، هناك شعبان (ولا أقصد الشهر العربي بالطبع) يجب أن يستفيدا من قضية تبادل الأسرى هذه، والوقت ليس متأخرا: الشعب الإسرائيلي والشعب العربي. فالشعب الإسرائيلي، عليه أن يعلم علم اليقين أن قوته أيا كانت ومهما بلغت، لن تستطيع أن تخضع هذا المحيط الهادر من الشعوب المسلمة والعربية الذي يحيط بها من كل صوب وجانب.

وأن الأنظمة التي تبني عليها أحلامها المستقبلية قد لا تصمد لأكثر من الزمن الذي قدره الله لها، وقد يخرج من بطن حزب الله ألف حزب الله آخر يكون أكثر شراسة وأعقد تكتيكا، حتى ولو نجحت إسرائيل في فرض سلامها على الأنظمة العربية بشكل من الأشكال. أما بالنسبة للعرب، فإن العبرة التي يمكنهم أن يستفيدوا من هذه التجربة، هي أن الخوف من إسرائيل يشبه تماما خوفنا ونحن صغار من الظلام. ولو أننا أشعلنا ثقابا واحدا في وجه إسرائيل لانكشف ما لا يدعو للخوف منها.

عاشرا، من هو الخاسر بامتياز في هذه الصفقة؟ بالطبع إسرائيل، وباعتراف منها بذلك.

ولكن هناك أيضا منتصرا فيها بامتياز: حزب الله باعتراف إسرائيل أيضا.

خاسرة، لأنها قادت حربا خسرت بسببها سمعتها، بهدف إنقاذ اثنين من أسراها وقعا بيد حزب الله، والقضاء على هذا الأخير والسيطرة على لبنان ورد اعتبارها بعد هزيمتها عام 2000.

ولم تستطع لا أن تنقذ أسراها، ولا أن تقضي على حزب الله، ولا أن تسيطر حتى على شبر من لبنان. وزادت الطين بلة في ما يتعلق برد اعتبارها. ويتوجب عليها الآن رد اعتبارها الذي فقدته مرتين بدلا من واحدة! وعلاوة على كل ذلك، تسلمت الجنديين الأسيرين جثتين هامدتين.

أما المنتصر، فقد كسب معنويات عالية، وإعجابا من قبل أعدائه، واستطاع أن يفحم كل من كان يراهن على قدرته في تحرير سمير القنطار، ووحد شعبه للمرة الثانية خلف عباءة السيد حسن نصر الله. وخرج السيد ليلتها بعباءته التي لا تساوي سوى بضع ليرات بسيطة ولم تحك بخيوط من الذهب، وعمامته السوداء غير المرصعة بالماس ولا الأحجار الكريمة والتي لا يزيد سعرها ربما على بضعة تومانات، أمام أعين العالم متحديا كل أقمار التجسس الأميركية والإسرائيلية والأوروبية، ليشارك اللبنانيين عودة الأسرى، ويختفي بعد خمس دقائق كما جاء، دون أن يعرف أحد أين وكيف؟

أيا كان المنتصر أو المهزوم في هذه الصفقة، إلا أن الإسرائيليين ربما قدموا كل هذه التنازلات بعدما أعادوا حساباتهم عندما لم تعد الرياح تجري في أشرعتهم منذ سنوات قليلة، وشرعوا في رسم خطوط جديدة لسياستهم في الشرق الأوسط، بعد أن فشلت مرارا سياسة الحرب والقوة العسكرية، وأرادوا قبل توقيع أي اتفاقية تفاهم أو سلام مع سوريا تسوية مشاكلهم مع من حولهم، وعلى رأسهم حزب الله وحماس، وإبداء حسن النوايا واستعدادهم للتنازلات من أجل العيش بسلام.

ويعرف قادة إسرائيل أن الوقت لا يجري في صالحهم، خاصة بعد التطورات الأخيرة في شرق الخليج العربي، وتعاظم قوة جمهورية إيران الإسلامية في المنطقة، وتخوف أميركا من مغامرة أخرى لا تحمد عقباها، واحتمال شبه مؤكد لخسارة أصحابهم الجمهوريين أمام الديمقراطيين في رئاسة البيت الأبيض، وانتخاب باراك أوباما ذلك الأفريقي ذي الأصول المسلمة.

وأخيرا، لبنان أخرج لنا أحزابا وطوائف متنوعة كألوان الطيف، وقادة أحزاب على مستوى الفيلسوف الدرزي كمال جنبلاط وثقافة السيد موسى الصدر وفصاحة السيد حسن نصر الله، ومقاومين أشداء على مستوى سمير القنطار، وسياسيين وكتابا وروائيين وشعراء وفنانين يملأون شاشات التلفزة ليل نهار (نتمنى لو تحول نصفهم فقط إلى ربع سمير القنطار)... ولكن يظل لبنان اليوم على صغر مساحته أكبر مما نتصور...

يستحق لبنان أن يقف العالم العربي والإسلامي إجلالا له... ولكن من بقدره لكي يسمح لنفسه أن يضع على صدره وسام شرف المقاومة والتضحية؟

كاتب اماراتي

dralaboodi@gmail.com