كنت واقفاً عند المحاسب في انتظار أن يرجع لي بطاقة الائتمان التي استخدمتها لشراء مجموعة أفلام وثائقية، فقال لي البائع إن البطاقة لم تعمل! قلت له إن هذا الأمر مستحيل ـ لا أعرف لماذا نحرج جداً عندما لا تعمل بطاقة الائتمان ـ وطلبت منه أن يعاود الكرة، ولكنه فشل مرة أخرى.
ولكي لا يزيد إحراجي دفعت له نقداً وانصرفت. اتصلت بالبنك لأستفسر عن السبب فقال لي الموظف إن «هيئة الفتوى» في البنك أفتت بحرمة استخدام بطاقات الائتمان لشراء سلع معينة منها الأفلام، وعليه فقد تم حظر البطاقة في المحلات التي تقدم إحدى السلع «المحرمة»، فقلت له: «ولو قلت لك إنني اشتريت حلقات عن قصص الأنبياء؟»، فأسقط في يده ورد بعد برهة: «ولكن النظام لا يعرف ما اشتريت، فالمنع يفرض على المحلات وليس السلع».
ثم أضفت: «هذا ما أردت أن أقوله لك ولهيئتك الموقرة. فبائع السكين ليس من حقه ولا من واجبه أن يتتبع كل من اشترى تلك السكين ليعلم أيستخدمها في قتل الناس أم في تقطيع الخضروات، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وبالتالي فليس من شأن البنك أن يتدخل في شؤون الناس ويفرض عليهم وصايته. يمكن لأي شخص أن يستخدم بطاقة الائتمان في أحد محلات التجزئة في الخارج ويشتري بها نبيذاً، فكيف للبنك أن يمنع ذلك إن كان يرى أنه من واجبه أن يعرف كيف تصرف أموال الناس»؟!
الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الهيئة أنها ظنّت أن الأموال يملكها البنك، وغاب عن تفكيرها أن الأموال هي ملك للناس وليس للبنك، فهو مجرد أمين على حفظها، ولذلك فلا يحق له أن يمنع شخصاً من استخدام أمواله حتى لو عرف أنه سيصرفها في الحرام، وإلا سيحتاج كل إنسان إلى فقيه شخصي يرافقه في كل مكان ويقول له ما يجوز فعله وما لا يجوز.
إن مهمة الدعاة والمشايخ الذين نجلّهم ونوقّرهم، هي نصح الناس وتوضيح الملابسات التي قد توقعهم في الحرام، وليس من حقهم أو حتى من واجبهم أن يمنعوا الناس من ارتكاب المعاصي إلا أن تكون فاحشة تشيع في المجتمع، أما أن تطال أيديهم خصوصيات الإنسان فإن هذا تعدٍ على حرماته.
كنت أشاهد برنامجاً حوارياً لأحد المشايخ الذين أجلهم وأظن فيهم الخير، وفجأة بدأ الحديث عن السفر وأحكامه، ثم انتقل الشيخ للحديث عن فوائد السفر، ثم بدأ يعطي نصائح في كيفية حزم الحقائب والتوجه إلى المطار قبل الإقلاع بوقتٍ كافٍ، وبدأ يسترسل في إرشادات السفر. وبحكم رئاستي لمجلة في السياحة والسفر، فقد بدأت أمتعض منه لأنه أعطى نصائح خاطئة وأخرى قديمة، بل إن بعض العبارات التي تلفظ بها كانت خاطئة تماماً ولا تمت للسفر بصلة.
تساءلت عندها عن سبب خوض بعض المشايخ في كل حديث، وكأنه من واجبهم الديني أن يعلموا كل شيء ويتعدوا على حدود الخبراء المتخصصين ويتكلموا في تفاصيل لا يفقهها إلا من درسها أو عمل فيها. ثم انتقل الشيخ ـ كعادة كثير من المشايخ ـ للحديث عن تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم، مع العلم أن هذا علم واسع تفرع إلى عشرات المسارات المفصّلة التي تحضّر فيها دراسات عليا في كل بقاع الأرض!
لقد تحدثت سابقاً، وأكرر لأهمية الأمر، أن التربية علم قائم بذاته. لا بأس، بل يجب أن نربطه بالدين ونستقي من التجربة الإسلامية مفاهيم التنشئة الصحيحة ما استطعنا، ولكن أن نسأل المشايخ عن كيفية التعامل مع الأبناء ونستمع لنصائح تعود لعدة قرون مضت، فإن هذا إجحاف في حق العلوم وضحك على الذقون. فمثلما يرفض المشايخ أن يتحدث في الدين غير المتخصصين فيه، فإنه مرفوض أيضاً أن يتحدث في التربية غير المتخصصين فيها.
عندما تحدث الشيخ القرضاوي عن الأسهم والمعاملات البنكية التي قضى في دراستها سنوات، حيث زار عدة بنوك ودرس معاملاتها وفصّلها وتبحّر فيها ثم أصدر كتابه الحلال والحرام، ثارت عليه مجموعة من الفقهاء واتهموه بالزندقة وغيرها، فكيف له أن يحلّ الأسهم ـ مع العلم أنه حرم بعضها وأحل أخرى حسب تفصيل دقيق ذكره في تحليله ـ التي هي في عرفهم ربا!
وبعد سنوات عاد بعض هؤلاء الفقهاء وأحلّوا ما أحلّه القرضاوي، لأنهم درسوا الأسهم وفهموا أنواعها. لقد كانت مشكلة هؤلاء المشايخ الأفاضل أنهم كانوا متقوقعين على أنفسهم داخل المساجد وحلقات العلم الشرعي، وكانت الناس تستفتيهم في الأسهم، فيطلبون توضيحاً عن ماهيتها فهم لم يسمعوا بها من قبل، فيخبرهم السائل، ثم يرد الشيخ بحرمتها دون أن يبذل عناء البحث والاطلاع، فالتحريم أكثر ضماناً من التحليل في نظر كثير منهم.
إن طفرة المعلومات التي منّ الله على الناس بها لم يسبق لها مثيل في التاريخ، فما توفر لدى البشرية من علوم في الثلاثين سنة الماضية يفوق ما توفر لها منذ نشأتها، ولذلك لا يعقل أن يعزل الفقهاء والمشايخ أنفسهم بين كتب التراث التي لم تجدد منذ ألف عام، وبين طلابهم الذين يسألونهم أسئلة سُئلت للإمام مالك وابن حنبل قبل مئات السنين!
لقد أصبح لزاماً على كليات الشريعة والمعاهد الإسلامية أن تطعم مناهجها بعلوم أخرى، تساعد كل من أراد أن يفتي في المستقبل أن يتبين الصواب من الخطأ، وعلى تلك الجهات أن تؤهل طلبتها للبحث في مصادر العلوم المختلفة عن المعلومة من أكثر من مصدر، ودراسة الأمور من أكثر من منظار. وأعتقد أيضاً أنه لا يجوز لأي شخص أن يفتي إلا أن يكون مرخصاً من جهة حكومية، تماماً مثل الطبيب بعد أن يجتاز اختبارات مكّثفة، فدور الأول لا يقلّ أهمية عن الأخير.
نحن في حاجة إلى مشايخ متخصصين في علوم معينة، فزمن الموسوعيين قد ولّى وراح، وأفلام سوبرمان أيضاً طواها الزمن، وإذا استمر بعض المشايخ في تنصيب أنفسهم وكأنهم «غوغل» في الدين، فإن العالم الإسلامي سيظل يراوح بين تكفير من صلى في بيته، وبين تحريم دخول المرأة إلى الإنترنت دون محرم، وستقزّم قضايا الأمة الكبرى التي تحتاج إلى علماء فقهاء، أكثر من حاجتها إلى مشايخ.
كاتب إماراتي