أخيراً وبعد عام على الفكرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بشأن إقامة اتحاد متوسطي، واقتضت من فرنسا أن تتقدم بخطوات وأفكار جزئية إزاء بعض الملفات الشرق أوسطية الصعبة، كالملفين السوري ـ واللبناني، والفلسطيني ـ الإسرائيلي، أخيراً نجحت فرنسا في استضافة قمة الثلاث والأربعين دولة، وبحضور أربعين رئيساً وملكاً ورئيس حكومة.
كان لابد لفرنسا قبل أن تقدم على مغامرة كهذه، أن تحدث نقلة إيجابية في علاقاتها مع سوريا بعد فترة من الجفاء بين الطرفين بسبب اختلاف السياسات والمواقف، خصوصاً بشأن لبنان وبشأن العلاقات السورية الإيرانية، وكان من نتيجة ذلك بالإضافة إلى حضور الرئيس الأسد لقمة باريس، أن اتخذ الرئيس السوري خلال القمة جملة من المواقف المرنة التي تعبر عن اتجاه جديد في السياسة السورية.
فخلال مؤتمر صحفي وبعد لقاء قمة حضره إلى جانب الأسد كل من الرئيس اللبناني ميشيل سليمان، والرئيس الفرنسي ساركوزي وأمير قطر، تم الإعلان عن موافقة سوريا على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع لبنان، للمرة الأولى منذ حصول البلدين على استقلالهما أواسط أربعينيات القرن الماضي.
وبالرغم من أن الرئيس ساركوزي فشل في إقناع الرئيس السوري بإجراء لقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلي الذي أبدى رغبة جامحة في مثل هذا اللقاء، إلا أن الرئيس الأسد أعلن أيضاً أنه مستعد لتبادل علاقات عادية مع إسرائيل، في حال تم التوصل إلى سلام يعتقد الرئيس السوري أنه يمكن التوصل إليه خلال فترة ما بين ستة أشهر إلى سنتين.
وعلى خط المرونة ذاته، أبدى الرئيس السوري استعداداً لنقل الأسئلة والهواجس والأفكار الأوروبية لإيران، والعودة بتوضيحاتها التي يعتقد الأسد أنها ستؤكد أن البرنامج النووي الإيراني لا يتجاوز الطابع السلمي، وأن إيران لا تسعى لتطوير برامج عسكرية.
كان انعقاد القمة كحدث بحد ذاته كافياً لتأمين الحد الأدنى من النجاح، غير أن ما جرى في المؤتمر وعلى هامشه، يشكل نجاحاً باهراً للسياسة الفرنسية في عهد ساركوزي، الذي قال إن أوروبا اقتصر دورها حتى الآن إزاء قضايا وملفات الشرق الأوسط على البعد الاقتصادي، وأنها انطلاقاً من إعلان الاتحاد المتوسطي ستطور دورها السياسي في المنطقة.
تطوير الدور السياسي الأوروبي إزاء ملفات المنطقة، وفي الأساس منها ملف الصراع العربي الإسرائيلي، كان ولا يزال يشكل الهم الأول للعرب الذين لم يكونوا راضين عن المبادرات الأورومتوسطية السابقة، أو ما يعرف بعملية برشلونة، ولذلك فإنهم لم يبذلوا أي جهد في إنجاح وتطوير تلك الصيغ، خصوصاً وأنهم يدركون أن أوروبا تتطلع إلى تطوير مصالحها الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، بدون أن تجد نفسها على خلاف مع الولايات المتحدة بشأن دورها السياسي المهيمن على أصعب الملفات.
إزاء الدور السياسي، لم يكن الأمين العام للجامعة العربية متطلباً في زيارته، فهو يعرف تماماً أن أوروبا لا تستطيع وهي ليست في وارد القيام بدور فعال وحقيقي إزاء ملف السلام في المنطقة يتجاوز الدور الأميركي والرؤية الأميركية، ولذلك فإنه اكتفى بمطالبة الأوروبيين عبر صيغة الاتحاد المتوسطي، بدعم «الحل السياسي المعروف».
الحل السياسي يعرّفه عمرو موسى بأنه «إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وقيام دولة فلسطينية والانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في لبنان وسوريا وفلسطين». موسى ذهب إلى حد إعفاء أوروبا من التدخل في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، ولكنه يطالب بمواقف واضحة، كان ساركوزي قد أعلنها من على منبر الكنيست الإسرائيلي ومن رام الله خلال زيارة قبل نحو شهر، حين قال إن الجدار والاستيطان لا يحققان الأمن لإسرائيل، وأن الأمن يتحقق من خلال دولة فلسطين والقدس عاصمة لدولتين، وحل مشكلة اللاجئين، وإنهاء الاستيطان الإسرائيلي.
ولكن حتى تكون صيغة الاتحاد المتوسطي أطول عمراً وأكثر جدوى من الصيغ السابقة، يترتب على فرنسا التي تترأس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي أن تقنع شركاءها في الاتحاد، خصوصا ألمانيا وبريطانيا، بتبني المواقف ذاتها التي جدد عمرو موسى المطالبة بها. في الواقع ثمة شكوك كبيرة بشأن دوافع الصيغة الجديدة، إذ يعتبرها بعض المراقبين على أنها مدخل بديل عن فكرة الشرق الأوسط الجديد التي طرحتها الولايات المتحدة، وقوبلت بتحفظات عربية، ثم تعثرت إثر فشل الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركياً على لبنان في يوليو العام قبل الماضي.
الشك يذهب إلى أن ساركوزي الحليف القوي لواشنطن، إنما يحاول أن يلعب دور الوكيل والمنقذ لفكرة الشرق الأوسط، بطرق ووسائل وصيغ قابلة للنجاح. ولم يخف على أحد أن فرنسا حاولت قبل القمة وخلالها أن تهيئ المناخات العربية خصوصاً، من أجل دمج إسرائيل في المنطقة ودفع عملية تطبيع العلاقات الإسرائيلية ـ العربية إلى الأمام، عبر مشاريع ربط تتصل بالطاقة والمواصلات والبيئة والاستثمارات، كمقدمة وأساس يمكن البناء عليه لاحقاً.
وفي الواقع فإن إسناد الاتحاد المتوسطي للسنتين المقبلتين للرئيس المصري حسني مبارك، لم يكن اعتباطياً ولا عفوياً، حيث ان مصر التي ترتبط مع إسرائيل باتفاقية كامب ديفيد، وانطلاقاً من دورها العربي المركزي، فإنها تستطيع لعب دور أكبر في ربط بعض الخيوط العربية ـ الإسرائيلية المتقطعة والمقطوعة.
على أن مصر لا تستطيع لعب مثل هذا الدور بدون ثمن سياسي يتصل بدور أوروبي منسق مع الولايات المتحدة، يؤدي إلى تحقيق سلام في المنطقة، فهل يعني ذلك أن فرنسا ستتخذ من نتائج القمة منطلقاً لتحرك مختلف مع حلفائها الأوروبيين والأميركيين، من أجل تطوير مواقفها من الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي أولا، ثم من أجل دفع عملية سلام حقيقية ومجدية؟
أعتقد أن مهمة فرنسا ستكون صعبة للغاية في ظل سياسة إسرائيلية تبحث عن سلام آخر، غير الذي يعرفه المجتمع الدولي وقبله الفلسطينيون والعرب، وفي هذه الحال فإن من غير المتوقع أن تنجح فرنسا في تطوير مواقف الولايات المتحدة الأميركية الحليفة المخلصة لإسرائيل، وبالكاد تستطيع إقناع بريطانيا وألمانيا اللتين تناصبان فرنسا التنافس، بأن تتخذا ذات المواقف التي أعلنها ساركوزي إزاء عملية السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
كاتب فلسطيني