كنا نقول بالأمس ان مؤشر الحوادث الخطرة لم ينخفض، برغم كل الجهود الجبارة التي يبذلها رجال المرور من خلال حملات التوعية والتعامل بشدة مع المخطئين ومتجاوزي قوانين السير، وان العلة الكبرى تكمن في سهولة الحصول على رخصة السياقة عندنا، والتي تحولت إلى معاملة تجارية مربحة، عبر معاهد التدريب ومراكزها.

وما يمكن أن نضيفه اليوم أن مراكز الاختبار ومعاهد التدريب متعددة ومتنوعة وتنتشر عبر الإمارات، وان الخيارات مفتوحة على مصراعيها، وهذه المعاهد لا تنظر إلى أن عملها الأساسي هو تخريج سائقي سيارات على مستوى عال من الحرفة في التعامل مع أخطار الطريق، بل تنظر إلى جيوبها وما فيها من نقود..

فالزبون عند هذه المكاتب هو منجم دراهم. وليس ابلغ من كلمة يقولها لك الموظف في هذه المعاهد حينما يستقبلك ويخبرك عن إجراءات الرخصة: «ادفع المبلغ كاملا وستحصل على الرخصة»!!

والضمان الذي يعطيه المدرب لتلميذ السياقة يأتي عبر الدروس العملية التي سيتلقاها وهي نسخة منقولة لاختبار المرور، فيكتفي هذا المدرب بتدريب هذا السائق على مجموعة حركات على شوارع وأماكن يعرف المدرب أن تلميذه سيمر منها عند اختباره.

وهكذا يوما بعد يوم وحصة بعد حصة، يحفظ هذا السائق المتدرب هذه الجزئيات الصغيرة وكأنها حيلة على الاختبار الأصلي.. يذاكر الشوارع والانعطافات ويحفظها، ثم يذهب إلى الاختبار مخفورا بتوصيات للشرطي فلان والفاحص علان، بتسهيل مهمة الطالب النجيب الذي تدرب ودفع كامل مستحقات الرخصة ومن ثم فانه يستحقها!!

اليوم تمتلئ الشوارع بآلاف من حملة رخص السياقة التي حصلوا عليها بهذه الطريقة السهلة، وهذه الطريقة العقيمة التي لا تعد ولا تؤهل سائقا ماهرا قادرا على التعامل مع المفاجآت وما يمكن أن يحدث أمامه أثناء سيره بمركبته.. نصف هؤلاء بحاجة إلى إعادة تأهيل، ونصفهم الباقي لا يستحقون رخصة سياقة.

ليس أقسى ولا احزن من هدر الدماء وسفك الأرواح على الإسفلت هكذا بمجانية كبيرة.. ولا يعقل أن نتحمل ظاهرة ما زالت تستمر في التفاقم ولا نمتلك سيطرة عليها. فبين مقالة الأمس واليوم وقعت حوادث عدة ولم يمر اليوم دون وفيات!!

وخلال الأسبوع الماضي كان هناك مسلسل آخر من الحوادث المؤلمة والتي صاحبتها وفيات، وقبل الأسبوع الماضي كانت هناك مجزرة إسفلتية، وهكذا..

أمر مريع ولا يكشف روعه إلا سجلات المرور التي تحمل الأرقام الحقيقية لعدد القتلى وعدد الجرحى والخسائر ما بين الأرواح إلى الخسائر المادية.. أمر مريع وما يحدث عندنا لا يشابه ما يحدث في بقية البلدان من حولنا..

الأمر جد محزن وأيضا مخيف.. فما عاد هناك أمان وأنت تقود سيارتك حتى ولو التزمت بدقة بكامل إرشادات السير، صار الخوف من كل سيارة تجاورك أو تسير أمامك أو خلفك. والنصيحة التي يمكن أن توجه هي: فلنحاول جميعا تقليل نسبة تواجدنا في الشوارع وفي السيارات حفاظا على الأرواح!

mhalyan@albayan.ae