الحرب على العراق هي حرب على الإرهاب وعلى تنظيم القاعدة، ولغرض إسقاط الدكتاتورية ونشر المثل الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، ولأجل حماية أنفسنا من أسلحة الدمار الشامل. هذه الحجج هي التي استمع إليها المواطن الأميركي عبر وسائل إعلام المؤسسة الأميركية الحاكمة، حين بدأت قواتها الغازية الزحف لتجتاح بلداً متعباً أنهكته الحروب ودمره الحصار الطويل وعانى شعبه الأمرين من جور حكامه.

إلا أن هذه الحجج سرعان ما بدأت تتهاوى مع الأيام وتبين لاحقاً، ليس لمن له قدرة على القراءة السياسية للأحداث وإنما لبسطاء الناس، أن الحملة الأميركية في الشرق الأوسط، والتي بدأت في أفغانستان ثم في العراق، هي حول النفط ليس إلا. ولم يكن من المستغرب لمن خبر نوايا واشنطن أن يرى أن القوات الأميركية غداة سقوط العاصمة العراقية، قد أولت اهتمامها لحراسة مبنى وزارتي النفط والداخلية فقط، تاركة مؤسسات الدولة الأخرى ومن ضمنها المكتبات والجامعات والمتاحف، عرضة للنهب والتخريب.

ألان غرينسبان الذي شغل منصب رئاسة المجلس الاحتياطي الفيدرالي لمدة 18 سنة، وعاصر أربعة رؤساء أميركان وأحد أبرز المنظرين لاقتصاد السوق، والعضو البارز في الحزب الجمهوري الأميركي، وصفته صحيفة الإندبندت البريطانية بالكاهن الأعلى للرأسمالية الأميركية، كان آخر من قال في سيرته الذاتية التي نُشرت مؤخراً، إن الحرب على العراق كانت من أجل النفط.

سبقه إلى ذلك بعض من شغل مواقع هامة في الإدارة الأميركية، منهم بول وولفوتز مساعد وزير الدفاع إبان الغزو دونالد رامسفيلد، الذي كان صريحاً بُعيد غزو العراق مباشرة حين قال «الحملة العسكرية كانت الخيار الاستراتيجي الوحيد أمامنا، فالعراق يطفو على بحر من النفط».

عنوان كبير ظهر في صحيفة نيويورك تايمز في التاسع عشر من يونيو المنصرم «اتفاقات مع العراق تعيد الشركات النفطية العملاقة إليه بعد غياب دام 36 سنة». التفاصيل تشي بأكثر من ذلك، فقد أوردت أن أربع شركات نفطية توشك أن تنجز اتفاقيات مع العراق للعودة إلى حقوله النفطية، بعد أن فقدت امتيازاتها في تأميم النفط عام 1972. وهذه الشركات هي: موبيل أكسون، شيل، توتال، وشركة النفط البريطانية. وستحصل هذه الشركات على عقود نفطية دون أن تدخل في منافسات مع غيرها من الشركات، وهذه ميزة نادراً ما تتوافر لأحد.

الإدارة الأميركية الحالية لها صلات وثيقة وغير عادية مع عالم النفط على خلاف الإدارات السابقة، فالرئيس جورج بوش ينتمي إلى عائلة لها علاقات بالصناعات النفطية ترجع إلى عام 1920، والرئيس نفسه سبق أن قام بتأسيس شركة نفطية تحت مسمى «طاقة أربوستو» أو «نفط أربوستو» عام 1977، بمساهمة بعض الأثرياء العرب في ولايته النفطية «تكساس» التي سبق أن كان حاكماً لها قبل دخوله إلى البيت الأبيض.

كما أن نائبه ديك تشيني سبق له أن ترأس مجلس إدارة هاليبرتون الشركة العملاقة لتجهيز خدمات الطاقة، لمدة خمس سنوات قبل أن يصبح نائباً للرئيس. كما أن بعض المقربين إليه ليسوا بعيدين عن علاقات كهذه، فسفير الولايات المتحدة في أفغانستان وفي العراق بعد احتلالهما وممثلها الحالي في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد، سبق له أن عمل مستشاراً لشركة «يونوكال» الأميركية المتخصصة بمد أنابيب النفط والغاز.

فمنذ الأيام الأولى لصعود هذا الطاقم إلى سدة الحكم، سلمت الشركات النفطية مفاتيح بواباتها الخلفية إلى البيت الأبيض، وتركت مصالحها الكبيرة في رعاية من يرسم الاستراتيجيات ويتخذ القرارات هناك. وأصبح مديروها التنفيذيون دائمي اللقاءات مع صديقهم القديم تشيني في أجواء سرية للغاية، حيث عرفت هذه المجموعة في الأوساط السياسية الأميركية بـ «مجموعة تشيني لمهام الطاقة».

بعد أن تسربت بعض الوثائق الخطيرة التي تم التداول بشأنها في اجتماعات تلك المجموعة، ومنها خارطة لحقول النفط العراقية وقائمة بأسماء الشركات التي ترغب في استغلال هذه الحقول، حاولت بعض منظمات المجتمع المدني في الولايات المتحدة التي تدعو إلى الشفافية في تعامل المؤسسة الحاكمة مع الرأي العام.

ومنها منظمة «جيوديكال ووتش»، الكشف عن الغموض الذي يحيط بهذه المجموعة والتعرف على هوية أعضائها وعلى التوصيات التي رفعت إلى الرئيس بوش من قبلهم، و لماذا ترفض الإدارة الأميركية الكشف عن هذه المعلومات على الضد مما يفرضه القانون الفيدرالي. إلا أن البيت الأبيض عمل جاهداً من خلال المحكمة العليا على منع ذلك، ووضع مختلف العقبات أمام وصول هذه المنظمة إلى ما تنشد من معلومات.

وقد تبين لهذه المنظمة أن تلك الاجتماعات التي تداول فيها المجتمعون الوثائق التي تفشت بعض المعلومات عنها، ومنها الخارطة التي أشرنا إليها، قد عقدت قبل ستة شهور من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقبل سنتين من غزو العراق.

لم يعد أمام الرئيس بوش وطاقمه وحلفائهم مجال للتضليل حول الأهداف الحقيقية للحرب على العراق، ففي الثاني من يوليو الجاري نشرت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» خبراً مفاده أن لجنة الرقابة في الكونغرس الأميركي بحوزتها سبع وثائق، تثبت علاقة بعض كبار المسؤولين في إدارة الرئيس بوش بإحدى الشركات النفطية في ولاية تكساس (شركة هنت) التي وقعت عقداً مع حكومة إقليم كردستان في سبتمبر 2007.

هذا في الوقت الذي حرصت الإدارة الأميركية بعد الإعلان عن توقيع العقد، على الادعاء بعدم علمها بذلك وأبدت أسفها لما حصل وأن ذلك يضعف من فرص قانون النفط والغاز لأن يقر دستورياً. وقد قام رئيس اللجنة المشار إليها هنري واكسمان بتوجيه خطاب إلى كوندوليزا رايس، يعلمها بما توصلت إليه اللجنة في تحرياتها حول هذه القضية الخطيرة.

ويطالب في ختام رسالته بأن تقوم الإدارة الأميركية بتزويد اللجنة بجميع الوثائق التي بحوزتها، ليس حول ما يتعلق بشركة هنت فحسب، بل بما يتعلق بجميع المخاطبات على مختلف أنواعها ومستوياتها حول الشركات النفطية الأخرى وفرص عملها في العراق، فهنالك شكوك في تورط مسؤولين كبار في التعامل معها لتعبيد الطريق لها نحو النفط العراقي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae