على نحو متزامن وبدون سابق إنذار تقريباً، اندلع في عالمي الجنوب والشمال حديث أزمة الغذاء ليملأ الدنيا ويشغل الناس. بين يدي هذا الحديث صدرت تحذيرات من الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ومن البنك وصندوق النقد الدوليين ومن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومن كل جهة موصولة بفلاحة الأرض وطعام الناس، خلاصتها أن إنتاج الغذاء وأسعاره بلغت خطاً أحمر.. كما قيل بأن العالم بصدد «جريمة ضد الإنسانية» تهدد بموت عشرات الملايين جوعاً في البلاد الفقيرة بالذات.
بعد أخذ ورد ومداولات استقر الرأي على أن السياسات الزراعية للدول المتقدمة، المرتبطة باستخلاص الوقود الحيوي من بعض المحاصيل، تقع في طليعة أسباب الأزمة. ولأن التعليلات الأخرى، كارتفاع أسعار الطاقة النفطية وموجات الجفاف والتغيرات المناخية، كانت تقليدية ولم يسبق لها أن عَقَّدت قضية الغذاء إلى دركها الراهن، فقد بدأ التفسير المرتبط بتطور تقنيات الوقود الحيوي مقبولاً ومعقولاً..
فهذا هو المتغير الذي استجد وربما أوصل الأزمة إلى نقطتها الحرجة. المدهش أنه بمجرد الإجماع على هذا التفسير، الذي يمس مقام أغنياء العالم وسياساتهم السامية، خفتت هوجة إعلام الأزمات التي شهدناها قبل زهاء الشهرين. وباستثناء إضاءات محدودة هنا وهناك، سكتت عواصم الشمال عن كلامها المباح حول الأزمة، وانتهى الأمر إلى بيان لمجموعة الدول الثماني الصناعية يعبر عن التعاطف مع المتضررين منها.
تقديرنا أن طبقة الأغنياء هذه ليست ممن يعانون وطأة أزمة الغذاء اليوم، والأرجح أنها لن تكون أيضاً ممن سيعنيهم التصدي لها في عالم الجنوب في الحال أو الاستقبال. لن تتخلى الدول الصناعية عن آلية طال الشوق إليها لتقيها الحاجة إلى النفط.. والوقود الحيوي هو كلمة السر بالنسبة لهذه الآلية الوقائية. ما يعنينا هنا أن وطننا العربي لا يمثل استثناء من الواقعين في أحابيل هذه الأزمة، وأنه يستورد أكثر طعامه الأساسي، وأن أمنه الغذائي مكشوف الآن ومعرض للتعرية في وقت ليس ببعيد.
ولعلنا في حاجة ماسة أكثر فأكثر لاستحضار الأصوات العربية ذات المرجعية الفكرية القومية، التي بحت لعشرات السنين وهي تنادي بالتكامل ـ دع عنك الوحدة ـ بين دول المال والأرض الصالحة للزراعة والعمالة اللازمة للوفاء بهذا الأمن واتقاء أيام مسغبة كانوا يتوقعونها. يقف العرب راهنا على مشارف هذه الأيام الغذائية النحسات، ولا ندري إن كان الوقت قد فات ومعه فرصة الاستدراك والاحتفاء مجددا بخطاب وصف ذات حين بـ «الحنجورية واللاواقعية».. وما كان كذلك بالمرة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني