محظوظون أهالي ليوا بمهرجان مزاينة الرطب، فهم فقط من تحصل لهم مهرجان سنوي يحتفلون فيه بخيرات النخيل، ويتباهون بمحاسن محاصيلهم من أنواع الرطب بمختلف ألوانه وطعومه، ويجعلون للنخلة يوما يذكرونها فيه بالخير ويعددون مناقبها، ويشرحون فيه التفاصيل الصغيرة والدقيقة وأفضل الطرق لزراعتها والعناية بها..
محظوظون أهالي ليوا بهذا المهرجان السنوي، وفي موسم الرطب، هذا الموسم الذي كان في السابق مهرجانا كبيرا يعم البلاد كلها مع موسم الرطب وموسم عطاء النخيل، من عمق تلك الأيام الخوالي التي كانت الإبل فيها تأتي من الواحات إلى المدن الساحلية محملة «بعذوق اللولو والخنيزي والجارين والنغال والجش حبش» بمذاقه الحلو المعتق بماء المطر وماء الأرض..
حيث ينتظر الناس تباشيره ويقال فيه «بشر الرطب».. تلك الأيام الحلوة.. تنزل الهين حمولها من لؤلؤ الواحات وخيراتها ويخرج الناس من بيوتهم إلى الأسواق والتجمعات يساومون عليه..
أهالي ليوا اليوم أفضل منا نحن سكان المدن الذين لم يبق لهم من تلك المواسم إلا الفتات، حيث قضت المدنية على تلك التفاصيل الحميمة، وصرنا نشتري الرطب من الجمعيات و«السوبرماركت» في علب كرتونية مغلفة بالبلاستيك، يمر عليها فتيان اليوم، شباب الحداثة فلا يعرفون من أي جهة جاءت تلك العلب، ولا نوعيتها ولا مسماها.
هذه الأيام لا تعرف موسم قدوم الرطب إلا حينما تلقط عينك تلك العلب المصفوفة في الجمعية. مهرجان مزاينة الرطب في ليوا تطور مع السنوات، وأصبح يتجاوز كونه سوقا لاستعراض منتجات مزارع النخيل وخيراتها إلى احتفالية كرنفالية وثقافية واجتماعية، يمتزج فيها الفولكلور بحالة السوق، وتحضر النخلة بماضيها وحاضرها ويحضر معها محبوها والمهرة من زراعها ومالكيها. ويحضر الحديث عن خيراتها ونفعها وما يكنه الناس لها من تقدير..
وأهالي ليوا قرروا هذا العام الدخول في سباق مع أرقام الموسوعة العالمية «جينيز» من خلال طبق من الرطب يتحدون به ما تحقق من أرقام عالمية، بالإضافة إلى أن فقراته ستشتمل على محاضرات وندوات وفقرات تدريبية عن التعامل مع النخلة، بل ستستغل المناسبة الكبيرة هذه لتقديم فقرات توعية عن المرور والسلامة ومحاضرات توعية أخرى حول آفة المخدرات وأضرارها، وسيكلل عرس النخيل والرطب بعرس جماعي لشباب ليوا يقدر عددهم بـ 56 شابا.
محظوظون أهالي ليوا بهذين العرسين وبهذا الاحتفاء السنوي بما تجود به ارض الخير.. أما نحن أهالي المدن الجديدة المدفونين في زحام سياراتها وإيقاعها الذي لا يهدأ ستكون لنا فرصة صغيرة فقط، هي أن نتلصص على أخبار عرس النخل من خلال صفحات الجرائد وأخبار الدار عبر شاشات التلفزيون..
وإذا ما حن احد منا إلى تلك الأيام الخوالي فان زيارة إلى قسم الخضر لدى اقرب جمعية تعاونية وشراء علبة رطب مغلفة بالبلاستيك الحديث ستكون كافية لإقامة كرنفال فردي مع حبات رطب قليلة وفنجان قهوة من يد الخادمة!
