في اجتماعات الثمانية الكبار التي عقدت مؤخرا في جزيرة هوكايدو اليابانية، قال رئيس الوزراء البريطاني إن »العالم يواجه مشكلات عالمية تتطلب حلولا عالمية«، وهذا القول على الرغم من صحته، إلا انه يتناقض مع كل المقررات التي خرجت عن الاجتماعات، فضلا عن أنها تتناقض مع سلوك كافة الدول المشاركة فيها وعلى رأسها بريطانيا نفسها. ونستطيع من خلال هذه الاجتماعات أن نحدد قضيتين رئيسيتين أو مشكلتين أساسيتين لهما طبيعة المشكلات العالمية التي أشار إليها رئيس الوزراء البريطاني، هما الانبعاثات الضارة بالبيئة والتي تسبب أزمة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.
وأزمة الغذاء العالمية التي جعلت معظم شعوب العالم تتظاهر، سواء ضد ارتفاع أسعار الغذاء أم ضد عدم وجود ما يكفيها منه من الأصل. لكننا في الوقت نفسه سنجد أن الدول الكبار غير جادة في المشاركة في الحلول العالمية لها.. فكافة وسائل الإعلام التي تابعت هذه الاجتماعات، تهكمت على التوصيات التي صدرت باعتبارها تؤجل حلول »المشكلات العالمية« إلى الأجيال القادمة.
وفي ما يتعلق بالمشكلة الأولى، فقد اتفق زعماء الدول الأكثر تقدماً وثراءً، على خفض انبعاثات الغازات السامة بنسبة النصف على الأقل بحلول ٢٠٥٠، إلا أنه، تحت ضغط الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في مجال البيئة التي تطالب بجعل »الحد الأقصى عام ٢٠٢٠«، فقد أضيف ملحق يدعو كل دولة لتحديد »أهداف على المدى المتوسط«، كما جاء في بيان مشترك صدر عن الاجتماعات.
وحسبما نقلت الصحف التي حضر مندوبوها الاجتماعات، فإنّ التوصل لهذا الاتفاق جرى بعد ليلة صعبة من المفاوضات بين الزعماء. وقال أحد المراقبين إنّ هذا الاتفاق »إعلامي«، لكنه يمهّد الطريق نحو العمل على فتح دورة مفاوضات تقنية تحت إشراف الأمم المتحدة. وتبيّن عدم إمكان الوصول إلى اتفاق »ناجح تقنياً ومقنع سياسياً« من دون »عولمة شاملة للحلول«.
وهذا ما بات يصعب فرضه انطلاقاً من أن قمة الثماني لا نفوذ لها على بقية الدول المؤثرة، وهو ما ظهر في البيان الختامي على شكل دعوة إلى »مساهمة جميع الاقتصاديات الرئيسية«. وفي ما يتعلق بالتنازلات التي حصلت الولايات المتحدة عليها في ما يتعلق بربط نسبة خفض الانبعاثات بتاريخ محدَّد بعيد المدى، فإنها تدخل أيضاً في إطار الانتصارات الإعلامية، أكثر من أنها ستطبق على ارض الواقع.
أما في ما يتعلق بأزمة الغذاء فكلنا نعرف أن أحد أبرز أسبابها إن لم يكن السبب الرئيسي، هو استخدام محاصيل غذائية رئيسية مثل الذرة في استخراج الوقود الحيوي الذي يستخدم كبديل عن النفط في إدارة المحركات، أو إعادة تخطيط التركيب المحصولي لدول في العالم الثالث من اجل تخصيص مساحات كبيرة لإنتاج محصول »الجاتروفا« الذي يستخدم في استخراج الزيوت التي تستخدم بدورها كبديل للنفط، وهذا الأمر يتم بتمويل من شركات النفط الكبرى وعلى رأسها شركة »بريتش بتروليم«.
ومن يتابع السياسية النفطية للدول الكبرى الثماني التي شاركت في الاجتماعات، سيجد أنها تدعم هذا الاتجاه القاتل، ليس فقط لشعوب العالم الثالث وإنما لفقراء الدول الغنية ذاتها. فبريطانيا التي تحدث رئيس وزرائها عن الحلول العالمية، هي التي أصدرت حكومتها قانونا يلزم محطات بيع الوقود بان تكون نسبة سبعة ونصف في المئة مما تبيعه من الوقود، من الوقود الحيوي وليس العضوي المستخرج من النفط، وكافة الدول التي شاركت في الاجتماعات لديها قوانين مشابهة، وان كانت النسب تختلف من دولة لأخرى.
وبالتالي فان حكومات هذه الدول الكبرى لن تستطيع أن تشارك في »الحلول العالمية« »للمشكلات العالمية«، ويعود ذلك لسبب بسيط وهو أنها أصبحت تحكم في دولها باعتبارها وكيلا عن الشركات الكبرى متعدد الجنسية، التي أصبحت هي التي ترسم سياسات الدول وعلى الحكومات أن تحول هذه السياسات إلى إجراءات وقوانين من خلال المؤسسات التشريعية التي أصبحت هذه الشركات تلعب دورا كبيرا في تشكيلها.
بل إنه أصبح من الأمور العادية أن يتنقل الحكام الكبار من وزراء أو رؤساء وزراء من الشركات الكبرى حيث يعملون في مناصب تنفيذية، إلى العمل في مناصب تنفيذية في الحكومات أو كمستشارين للحكام الكبار، ثم يعودون أدراجهم وبالعكس، بما يؤكد تداخل هذه الشركات مع العمل التنفيذي والتشريعي في الدول الكبرى.
وغالبا ما تتدخل نفس الشركات، سواء بصورة مباشرة أو عبر الحكومات التي تعمل وكيلة لها، من أجل فرض سياسات بعينها على دول في العلم الثالث، وأحيانا يصل الأمر إلى التدخل السافر من أجل إسقاط حكومات أو دعم أخرى رغم انف شعوبها! وكل ذلك يعنى أن الحلول العالمية أمر صعب المنال، بسبب سيطرة اقتصاديين من ذوي القلوب المتحجرة على هذه الشركات التي لا تبغي إلا الربح، مهما كانت الآثار السلبية للأرباح التي تحققها.
وفي الماضي كان هذا الأمر يجري في الخفاء بعيدا عن أنظار الشعوب، وكانت العلاقة بين الشركات الكبرى والحكومات تجري في الخفاء وعبر آليات سرية، لكنها أصبحت في الوقت الراهن تجري بصورة سافرة، وكأنها لم تعد تضع أي اعتبار لمشاعر الشعوب ومصالحها. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع شعوبا في دول عدة إلى التظاهر في مواجهة اجتماعات الثمانية الكبار، وهو الأمر الذي يعطي أملا في البحث عن حلول عالمية.. ولكن على أيدي الشعوب، وليس الحكومات.
كاتب مصري
