أعرب قادة الدول الثماني الكبار خلال قمتهم السنوية التي عقدت في طوكيو، عن قلقهم من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الذي يشكل خطرا يهدد الاقتصاد العالمي.وأكدوا في البيان الختامي للقمة على ضرورة بذل الجهود بصورة منسقة لإزالة الأسباب الأساسية لهذا الارتفاع، وزيادة طاقات استخراجه وتكريره. ودعا قادة الدول الثماني الكبرى لاتخاذ مجموعة من الإجراءات لتوسيع الاستثمار في التنقيب والاستخراج وكذلك في تكرير النفط.
ما جاء في البيان الختامي يعنى أن قادة الدول الصناعية الكبرى تهربوا من مناقشة تطورات الوضع في أسواق النفط العالمية وهبوط الدولار.ولم يقدم البيان الختامي أي حلول عملية ومؤثرة للازمات الناجمة عن هذا الوضع، واقتصر الأمر على بعض النوايا الطيبة والدعوات لاتخاذ إجراءات!
وبالرغم من أن تصريحات القادة الغربيين قبل انعقاد القمة قد ركزت على ضرورة بحث أوضاع سوق الطاقة العالمي، ومناقشة سبل تأمين استمرار تصدير النفط إلى سوق العالم ومنع الارتفاع الجامح لأسعار النفط، إلا أن بيان القمة جاء مخيبا للآمال، ليعكس عدم اهتمام قادة الدول الثماني الكبار بأمن الطاقة العالمي، وصيانة الاقتصاد العالمي من الهزات الحادة التي يسببها ارتفاع أسعار النفط.
وإذا كان الحديث عن زيادة إنتاج النفط قد بدأ منذ لقاء جدة بخطوات عملية، عندما زادت السعودية إنتاجها بالفعل، فإن قمة الثماني الكبار لم تحاول البحث عن سبل لمعالجة أسباب الأزمة الحقيقية، والتي تكمن في زيادة الطلب العالمي على النفط، وخصوصا من الولايات المتحدة والبلدان الآسيوية التي تسبب حاجتها إلى النفط ارتفاعا في أسعاره.
ويختلف المفهوم الأميركي لأمن الطاقة عن المفهوم الروسي، حيث ترى واشنطن أن (أمن الطاقة العالمي) يتمثل في توفير احتياجات الأسواق الأميركية، وهو ما دفعها لحرب العراق وفرض قانون النفط الموحد بهدف السيطرة على النفط العراقي. وهو نفس السبب الذي يدفعها للاهتمام بخط أنابيب لنقل النفط من سيبيريا (شمال روسيا) إلى البحر الأبيض، تمهيدا لنقل كميات من النفط الروسي إلى الولايات المتحدة.
وعلى صعيد آخر يصبح اهتمام واشنطن بملف النفط العالمي سلبيا، عندما يدور الحديث عن توفير احتياجات الصين، وتشييد خط أنابيب روسي إلى الشرق الأقصى!
وقد حاولت روسيا على مدار السنوات الماضية إجراء حوار بناء حول مسألة إمدادات النفط لكي تحقق أمن الطاقة العالمي، الذي يضمن للمستهلكين حصولهم على احتياجاتهم، باعتبار أن روسيا لا تتطلع إلى تشكيل أي تكتلات، ولكنها تحرص على إبداء تضامنها مع من تربطها بهم مصالح مشتركة.
إلا أن الدول الغربية لم تسع للتجاوب مع رؤية موسكو، بل وسعت لإيجاد مصادر بديلة للطاقة لتقليص اعتمادها على الواردات الروسية. وتأتى نتائج قمة الثماني الكبار لتوحي بأن الغرب لا يسعى لحل أزمة أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، بقدر ما يحاول استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية.
إلا أن هذا الوضع يمكن اعتباره لعبة خطرة يمكن أن تودي بمصالح هذه الدول، لأنه يفجر أزمات اقتصادية حقيقية يمكن أن تؤدى لانهيار اقتصاديات العديد من دول العالم الثالث. ولعل أزمة الغذاء وظاهرة الجوع والفقر التي بدأت تظهر على السطح بشكل حاد في عدد من البلدان، تمثل دليلا على مخاطر التلاعب باقتصاديات الطاقة في الأسواق العالمية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتوسع لتصعيد لهجة التهديد ضد إيران، وإطلاق تصريحات حول الاستعداد لشن حرب ضدها، ما سيؤدى بالضرورة لمزيد من الارتفاع في أسعار النفط.ومما لاشك فيه أن الاندفاع في سياسة التصعيد العسكري وتجاهل مصالح العديد من دول العالم، لا بد أن يؤدي لتفجير عنيف ضد المنظومة الدولية، ويجب أن تفهم الدوائر الغربية أنها تلعب بالنار.