لعلاقة الأوروبيين بإسرائيل جانبان.. أولهما جانب ثقافي عاطفي روحي غير تعاقدي، مشتق من التراث التاريخي والأصول السكانية المشتركة، التي تجعل إسرائيل تقدم ذاتها بصفتها نسغاً غربي الجذور والقيم الحضارية والممارسة السياسية وأنماط المعيشة والتفكير. وثانيهما جانب تعاقدي رسمي تعبر عنه الاتفاقات والصفقات متعددة المناحي والأهداف، بين الدول الأوروبية فرادى واتحاديين وبين هذه الدولة.

في الواقع العملي يصعب فصم هذين الجانبين عن بعضهما البعض. فالروابط الثقافية ومفرداتها غير المنظورة تجد ترجمتها في الاتفاقات التي تراكمت تباعاً بين الطرفين على مدار العقود الستة الماضية. ولا ندري لم تتجاهل الأدبيات ذات الصلة أن إسرائيل بادرت بتقديم طلب للالتحاق بالركب الوحدوي الإقليمي الأوروبي منذ إرهاصاته الأولى.

حين تحرك عام 1957 تحت عناوين اقتصادية وقبل أن يتسيس بكثير. وقتذاك كانت القيادة الإسرائيلية تدرك أن تلك التجربة الغضة تتعلق فقط بالجناح الغربي من أوروبا وفقاً لمعاهدة روما المنشئة ، لكنها كانت تعي في الوقت ذاته حجم العناصر المشتركة وروح الأمومة التي ربما تغري ذلك الجناح بقبول طلبها.

وعلى الرغم من رفض الأوروبيين مطلب إسرائيل (وللمفارقة تحت ضغط فرنسا ديغول) إلا أنهم لم يشاءوا كسر خاطرها أو نبذها تماماً.. إذ استعاضوا عن عضويتها الكاملة بإبرام بضعة اتفاقات معها ـ كان أولها عام 1964 ـ بما أفضى إلى بلوغ العلاقة معها مرتبة اقتربت من مقام هذه العضوية دون الجهر بذلك.

ولمن لا يعلم فإن إسرائيل تحظى منذ يناير 2006 بدور المراقب الفعال في الاتحاد الأوروبي، وباتت تعامل منذ سبتمبر 2006 كدولة أوروبية يحق لها الحضور والتمثيل والإدلاء برأيها في معظم الأنشطة الاتحادية، بما فيها الاجتماعات الخاصة بمجالات الطاقة والتعليم والمال والشؤون التجارية وقضايا الأمن ومكافحة ما يسمى بالإرهاب والتحقيق في الجرائم..

ولا يتفق الإسرائيليون مع الاعتقاد بأن الصدود الأوروبي المزمن إزاء إلحاق تركيا بقطارهم الاتحادي يوجب صدوداً مماثلاً تجاههم. فهم على ما تظهر تحليلاتهم وتبطن، ينحازون إلى تصور مفاده أن الوشائج الثقافية والحضارية تبرر مطلبهم في الأوربة بأكثر بكثير مما يبرره التلاصق الجغرافي التركي مع قارتهم العجوز. وحين سئل مسؤولون إسرائيليون مؤخراً عما يستحثهم للاندفاع إلى الدائرة الأوروبية، ويجعلهم يثقون في احتمال الترحيب الأوروبي بعضويتهم، أجابوا بأن »نصف الإسرائيليين أوروبيون فيما يحمل ربعهم الجنسية المزدوجة مع واحدة أو أخرى من دول الاتحاد الأوروبي..«.

والحال كذلك، تبدو الأواصر والأصول الثقافية والحضارية والسلوكية وقد نقول الإثنية أيضاً بنظر الإسرائيليين، صاحبة أفضلية وأولوية في تحديد قضية الانتماء الإقليمي قياساً بالتواصل الجغرافي. وعليه تكون دول كالولايات المتحدة وكندا واستراليا فيما وراء أعالي البحار، أقرب رحمى وهوية إلى دول أوروبا وشعوبها، من تركيا الموصولة بالقارة ومن بعض الدول العربية التي لا يفصلها عن بعض البلدان الأوروبية إلا مضيق بحري ضيق.

المدهش أنه إذا أخذنا بهذه النظرية، بغض النظر عن صحتها المنطقية، صار لزاماً على العرب أن لا يطمئنوا أكثر إلى أهلية إسرائيل للانتماء إلى رحابهم الإقليمية. فهي في التحليلين الأول والأخير وباعترافها، لا تشاركهم إرثاً ثقافياً أو حضارياً يذكر.

ثم إنها بمجاهرتها بالهوية الأوروبية وبطموحها اللحوح للتعبير عن هذه الهوية نظامياً عبر الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، تؤكد صدقية التوجه العربي (أو الشرق أوسطي) وحجته في الحفاظ على مسافة كبيرة معها، واعتبارها كياناً استيطانياً مستزرعاً بالقوة في أرضهم وفضائهم الإقليميين.

ولا يستقيم هنا القول ان هذه الدولة أوروبية الهوى والهوية والحنين والانتماء، تستطيع ممارسة دور الجسر الذي يصل بين حضارتين وإقليمين على غرار ما ينتظره البعض جدلاً من تركيا. ذلك أن إسرائيل تفتقر إلى المرجعيات الثقافية والحضارية والسلوكية المشتركة مع عالم جنوب المتوسط، مهما كانت التسمية التي يسبغها الأوروبيون عليه (كالشرق الأوسط وشمال إفريقيا..).

هذا في حين يملك الأتراك مثل هذه المرجعيات، بشهادة الحقيقة الجغرافية التي لا تتبدل والميراث التاريخي الممتد مع الضفتين الشمالية والجنوبية (الأوروبيين والعرب). ونظن أن من يعطف على »أوربة إسرائيل« فيما هي سادرة في احتلال أراضي الآخرين واستعمارهم، يخالف المبادئ والمواثيق الاتحادية الأوروبية ذاتها، علاوة على مخالفته الفجة لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان والشعوب.

الشاهد في كل حال أن إسرائيل ما زالت تعاني من هاجسي الهوية والانتماء الإقليميين. فهي تريد أن تكون أوروبية وشرق أوسطية، وتعرض ذاتها بين يدي الأفارقة والآسيويين كدولة نامية حديثة »الاستقلال« شأنها شأنهم بالضبط، فيما تخاطب دول العالم الأول المتقدمة كواحدة منها.

وهي تبدي غيرتها على الإرث الديني التوراتي لأحقية الوجود، بقدر ما تتحدث عن كونها دولة علمانية. وهي تضع قدماً في الشرق وأخرى في الغرب، وتنظر بعين إلى الشمال وبالأخرى إلى الجنوب.. إسرائيل تفعل ذلك كله في وقت واحد!

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com