هل نحن مستعدون؟ أم يا ترى نحن نعيش في عالم والعالم يعيش في عالم آخر؟

الأوضاع الحالية في منطقتنا مقلقة للغاية، وهناك ديناصوران متوحشان على أهبة الاصطدام أمام أعين الجميع، فأين نحن؟ وماذا نصنع؟ وهل هيأنا أنفسنا لما »يمكن« أن يحدث في أية دقيقة، أو خلال اليومين المقبلين، أو هذا الشهر، أو خلال الأشهر الخمسة القادمة على أبعد تقدير؟

لا أعتقد ذلك. فنحن ما زلنا نغني ونرقص ونصور لقطات الكاميرا الخفية ونحضر الخيم والشيش والسهرات والمطربين، للاحتفاء بشهر رمضان وهو شهر للعبادة الخالصة إلخ.

ومع ذلك وعلى بعد أمتار منا، هناك مؤشرات لبركان بل براكين قد تنفجر في أية دقيقة، وعلينا أن لا نتخيل أن الحمم لن تصيبنا أو أنها ستصيب تل أبيب فقط. ففي الواقع المر، نحن نقع في مرمى أقرب لها بكثير من تل أبيب ونيويورك ولندن وباريس وبون ومدريد وروما وطوكيو.

الأوضاع في منطقة الخليج العربي بدأت تتعقد والنفوس تغلي، وأساطيل الدولة العظمى تجوب البحر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبأعداد غير طبيعية تنذر بالحرب القادمة، والتصريحات من كلا الطرفين تدل على أنه لا مفر من الاصطدام أو من حتمية الاصطدام. فإيران تريد أن تلحق الهزيمة بأساطيل وصواريخ الولايات المتحدة (المتغطرسة على حد قولها)، وهذه الأخيرة تأزرت بدروع فرسان الحروب الصليبية.

وهي ترمي إلى أن تلغي من على خارطة الشرق الأوسط، وللمرة الثانية، دولة »إسلامية« متنامية القوة (صناعيا وعسكريا ونوويا وبشريا) وتلتحف بعباءة إسلامية سوداء ولا تقبل المساومة ولا التنازلات، وتخطط لتغيير المنطقة بهدف »إفشال خطط أعداء الأمة الإسلامية« و»إلغاء إسرائيل من على خارطة الشرق الأوسط«.

وهذا الأمر لا يعجب بالطبع أصدقاء إسرائيل، ممن لهم مصلحة في منطقة تزخر بالذهب الأسود وتتمتع بموقع جغرافي لا مثيل له وبشعوب لا حيلة لها ولا قوة ولا رأي. فلم تبق بعد العراق دولة في العالم ترفض وجود دولة اسمها إسرائيل إلا: جمهورية إيران الإسلامية. وما أن يتم القضاء عليها، سيكون الطريق بعدها معبدا لكل ما يمكن أن تفرضه الدولة العبرية على من حولها، وستحقق لشعبها السلام والأمن الذي طالما حلم به يهود العالم على أرض الميعاد منذ تشتتهم عبر التاريخ، حتى ولو كان على حساب وجود شعب آخر.

المسألة إذن حتمية. فترك إيران مستمرة على ما هي عليه اليوم، يعني أنه سيكون من المستحيل بعد عشر سنوات فقط مجرد التفكير بالتحرش بها. وربما أحس الغرب الآن فقط بسوء تدبيره، ويعود السبب في ذلك إلى أن إيران استطاعت من خلال مناوراتها ومماطلتها، أن تؤجل لأطول فترة ممكنة مسألة وضع اليد على قدراتها العسكرية والنووية أو ضربها ضربة قاضية. فلو تم القضاء على ترسانتها قبل عشر سنوات مثلا وتم تحجيمها وهي في بدايات تكونها، لما احتاج الأمر اليوم لكل هذا التفكير والتردد الذي يتخبط فيه من تبقى من صقور البيت الأبيض، في مسألة مهاجمة أو عدم مهاجمة إيران.

أمام مرأى من العالم تتبجح إيران اليوم بقيامها بتجربة آخر صرعاتها من الصواريخ البالستية البعيدة المدى القادرة على ضرب تل أبيب في عقر دارها، حيث يتراوح مدى الواحد منها ما بين 3000 كم إلى 5500 كم! وهذا الإعلان عن قدرات الجمهورية الإسلامية العسكرية استخدمه الغرب كحجة قوية تؤكد نظريتهم بوجوب استخدام القوة ضدها، حتى يعم السلام المنطقة وعلى رأسها دولة إسرائيل »المهددة دوما وأبدا من جيرانها«!

خاصة وأن الوقت يمر بسرعة، وأن الرئيس القادم سواء كان أوباما أو ماكين، لن يتمكن من اتخاذ قرار شن ضربة عسكرية على دولة كإيران، قبل مرور سنتين من توليه منصبه الجديد. فأمام كل واحد منهما كومة من المشاكل الداخلية والخارجية المعقدة، التي سيرثها نتيجة لسياسة أسرة بوش على مدى 16 عاما متواصلة من الحكم والحرب المتواصلة، والتي يتوجب حلها وتصفيتها أولا، ومن ثم التفكير في الدخول في لعبة خارجية جديدة.

في نظري أن إيران ـ إذا ما وقعت الحرب ـ ستمثل لاعبا صغيرا ما زال نشطا وبإمكانيات محدودة، ولكنه يلعب على أرضه وبين جمهوره، والولايات المتحدة تمثل لاعبا عملاقا بإمكانيات هائلة، ولكنه يلعب آلاف الأميال بعيدا عن أرضه وبيئته، وهو منهك القوى على المستويين الداخلي والخارجي، وليس معه من يشجعه سوى إسرائيل. أما أوروبا فستظل خارج اللعبة هذه المرة في انتظار من يصرع الآخر؛ دافيد الشاب الصغير المؤمن بمدد الله وبمقلاعه من الحجر، أم جوليات ذلك العملاق الشرير المتخفي خلف سيفه وترسانة عملاقة من الدروع الحديدية؟

خلاصة الأمر أن الحرب قادمة قادمة، شئنا أم أبينا، اليوم أو بعد عشر سنوات، بينما نحن في المنطقة وفي الشرق الأوسط نتفرج بطريقة غريبة على استعدادات العالم لهذه المواجهة غير المتوازنة، التي تقع (لا سمح الله) على عتبات أبوابنا دون أن نحرك ساكنا.

ولا أن نتخذ الاحتياطات اللازمة لمثل هذه الظروف. إسرائيل التي تقع على بعد 3000 كم من موقع إطلاق الصواريخ، جهزت مواطنيها بكل وسائل الحماية الممكنة من كمامات وأقنعة وملاجئ ومخازن مؤونة ومستشفيات لتلقي المصابين... إلخ، بينما نحن نستعد للاستفسار عن آخر موديلات سيارات 2009 المقبلة، ونقضي إجازاتنا في منتجعات سويسرا والنمسا واستراليا وتايلاند!

ماذا لو أن الحرب اندلعت فجأة دون سابق إنذار ونفذت إيران تهديداتها بضرب مصالح الغرب في أي مكان قريب أو بعيد (ويجب أن لا نستبعد أي حدث)، أو استطاعت إغلاق مضيق هرمز عن حركة الملاحة؟ هل ندرك حقا ما يعني لسكان سواحل الخليج العربي أن يغلق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية والذي قد يستمر لسنين طويلة؟ وهل أخذنا احتياطاتنا فيما لو انهزمت إيران ولكنها لجأت لوسائل أخرى للانتقام؟

القضية أخذت منحى جديا، وعلينا توقع الأسوأ حتى ندرأ عنا ما هو أسوأ منه. لقد صحا إخوتنا الكويتيون في يوم من الأيام وبلدهم محتل تحت الركام وأهله مشردون، وصحا العراقيون في اليوم التالي وبلدهم محتل ومدمر وأهله مشردون. وكلهم كان ينام على أمل أن... لا يصيبهم ما أصاب الفلسطينيين مثلا.

نحن بالطبع والحمد لله بعيدون كل البعد عن هذا الأسوأ، ولكننا عرضة لأية تقلبات جوية تضرب المنطقة... وعلينا أن ننهض من تحت أغطيتنا الوردية.

Dralaboodi@gmail.com