كان نبأ وفاة الدكتور عبد الوهاب المسيري صباح الخميس ٣ يوليو صدمة قوية لي، بسبب حبي الجم له، وبسبب حضوره القوي دائما، وبسبب تقديري الشديد لعقليته الفذة ونشاطه المدهش.

لم أكن أوافقه الرأي في كل شيء. كان موقفه من الدين في الأساس موقفا فلسفيا، بينما كنت أغلب الدور الاجتماعي للدين. وكان في السياسة يرى فائدة كبيرة في المواجهة المباشرة مع الدولة، وإشعال حماس الناس للاشتراك في هذه المواجهة، بينما أنفر بطبعي من العمل الجماهيري. ولكن لا هذا ولا ذاك ترك أي أثر في صداقتنا ولا في حبي له.

كان ذا حضور مدهش في قوته، مستمد من عدة أمور: حبه للناس، وانشغاله المستمر بأمورهم، حتى همومهم الصغيرة، وذكائه الحاد الذي يدفعه دفعا إلى أن يجد في كل جملة يتفوه بها شخص في مجلسه، معنى مهما يغذي به فهمه وفلسفته في الحياة، فإذا به يدخل هذا المعنى في منظومـته الفكرية فيشعر من معـه بأنه قـدم مساهمة في تطوير وإثراء فكر د. المسيري. وهو إلى جانب ذلك دمث لطيف المعشر، ليست فيه أية غلظة أو قسوة، وقادر على تقدير النكتة الذكية واستخدامها في إشاعة البهجة في المحيطين به.

كان صاحب عقلية من نوع فذ لا أظن أنى قابلت مثلها في حياتي وجها لوجه. عقله دائم الدوران، لا يكف عن العمل، وهو على استعداد دائما لالتقاط كل ما يثار من أفكار، لهضمها هضما وتحويلها على الفور إلى المادة الأولية التي يشتغل بها وتتكون منها نظرياته.

وعقله أثناء هذا العمل لا يستهين بأي فكرة مهما بدت تافهة في البداية، فإذا به يحولها إلى مادة نفيسة يصنع منها حليا جميلة. وأظن أن هذا الموقف العقلي البالغ النشاط، كان من بين دوافعه إلى الاندماج مع الجماهير وقبوله رئاسة حركة كفاية، على الرغم مما قد يبدو من تعارض بين طبيعة هذا العمل الجماهيري وطبيعة عمله الفكري. إنه لم يشعر قط بأن مشاغله الفكرية أعلى مقاما من هموم الناس العاديين، أو أن هذه الهموم يمكن أن تصرفه عن اهتماماته النظرية.

وأظن أنه في هذا الجمع بين الانشغال بقضايا فكرية وفلسفية ليست في متناول الجمهور العادي، وبين الاهتمام بهموم الناس العاديين إلى حد الخروج معهم إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم، كان أقرب إلى الفيلسوف الفرنسي جان بـول ســارتر منه إلى أي مفكر آخر. ولهذا السبب حظي كل منهما من شعبه بحب وتقدير غامرين.

لقد اشتهر د. المسيري في الأساس بموسوعته عن »اليهود واليهودية والصهيونية«، التي استغرقت كتابتها الجزء الأكبر من وقته، ولكن له أعمالا أخرى تضاهي هذه الموسوعة ولا تقل عنها في الأثر الذي يمكن أن تتركه في الحياة الثقافية العربية، والتي سوف تحظى مع مرور الزمن في رأيي، باهتمام متزايد يفوق ما حظيت به حتى الآن.

أعني على الأخص جهوده في تنظيم ورعاية حشد ضخم من الباحثين والمفكرين العرب، منهم المعروفون ومنهم باحثون شبان لم تلمع أسماؤهم بعد، ومساهمته معهم في عقد مؤتمر بعنوان »إشكالية التحيز« الذي عقد في القاهرة في أوائل التسعينات، وقام بنشر بحوثه في مجلدين كبيرين المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالاشتراك مع نقابة المهندسين المصرية في عام ١٩٩٥.

كانت الفكرة الأساسية وراء هذا المؤتمر أن العلوم المختلفة، بما في ذلك العلوم الطبيعية، لا تتمتع بالحياد التام الذي يزعم لها عادة، بل هي علوم »منحازة« بدرجات مختلفة، وان الحياد التام في العلم مستحيل، كما أنه مستحيل في أي عمل فكري أو فني أو أي نشاط سياسي أو اجتماعي. العالم الباحث هو ابن بيئته وعصره، وهو قبل كل شيء ابن ثقافة معينة، وهذه الثقافة هي التي تحدد له الأسئلة التي ينشغل بالإجابة عنها، كما أنها كثيرا ما تحدد له نوع الإجابة أيضا.

خطر للدكتور المسيري أن يعبئ جهود عدد كثير من الباحثين العرب لمحاولة الكشف عن »التحيز« في العلوم التي أنتجتها الحضارة الغربية: في العلوم الإنسانية والاجتماعية كما في العلوم الطبيعية، في الآداب والفنون والعـمارة، في الهـندسة والطـب والتكنولوجـيا، في التعــليم وكـتابة التاريخ.. الخ.

إن الحضارة الغربية حضارة إنسانية بالطبع، في نواح مهمة، ولكنها أيضا »غربية« في نواح أخرى مهمة. ومن ثم فإن العلوم ومختلف مظاهر الإنتاج الفكري، تتسم بالحياد في جوانب، وهنا يمكن أن يستفيد منها الجميع، ولكنها في جوانب أخرى علوم وأفكار »منحازة« لا يفيد منها أصحاب الثقافات غير الغربية إلا بقدر.

ولهذا كان من المهم جدا أن نحاول إبراز هذه الجوانب الأخيرة التي تأثرت فيها علوم الغرب وأفكاره بالظروف الخاصة بالغرب وثقافته، وتمـييزها عن غيرها من الجوانب. وهذه الخطوة، في نظر د. المسيري، هي أول خطوة في طريق الإبداع، أي في طريق تمكين الثقافة العربية (وكذلك أي ثقافة أخرى غير غربية) من إنتاج علوم وأفكار وفنون تعكس ظروف العرب وتاريخهم ودينهم وقيمهم الاجتماعية، وتتفق مع عبقرية لغتهم. فإذا فعل العرب ذلك، أي إذا قاموا بعملية الإبداع هذه، استطاعت علومهم وأفكارهم أن تساهم في تحقيق تقدم حقيقي، فلا تكون مجرد تقليد للغرب، لا يفيد منه لا العرب ولا غيرهم من الأمم.

لم يمل د. المسيري من تكرار هذه الفكرة في كتاباته ومحاضراته وفي مداخلاته في الندوات والمؤتمرات التي يدعى إليها، وقد كوّن في ذلك مدرسة كاملة من الباحثين والباحثات الشبان الذين اعتنقوا الفكرة وتحمسوا لها، فأصبحوا من مريدي د. المسيري المخلصين، يلبون أي طلب يطلبه منهم، ويتتبعون كتاباته ومحاضراته بشوق واهتمام بالغين.

وأظن أن هذه هي أهم بذرة بذرها الدكتور المسيري في تربة الثقافة المصرية والعربية والإسلامية، ورعاها بالسقي والحماية حتى وفاته، وهي في رأيي من أكثر الأعمال التي قام بها قدرة على المساهمة في خلق مستقبل مضيء لهذه الأمة.

sgsaafan@aucegypt.edu