حين طرح الرئيس محمود عباس مبادرته للحوار في الرابع من يونيو الماضي، اعتقد الكثيرون أن طريق العودة عن الانقسام ونحو الوحدة قد أصبح قريب المنال، خاصةً وأن حركة حماس وبقية الفصائل ردت سريعاً على المبادرة بالترحيب.
هؤلاء اعتقدوا أيضاً أن العرب جاهزون كما كان الحال بالنسبة للأزمة اللبنانية، غير أن الأيام المتتالية أوضحت أن لا الفلسطينيين توفرت لديهم الإرادة الكافية، ولا العرب قادرون على تجاوز عجزهم عن مجابهة خلافاتهم والاعتراضات الدولية والإسرائيلية القوية.
على خطين متوازيين وكل بحسب رؤيته، تحرك كل من الرئيس محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، في محاولة لاستنفار عربي مؤقت يتبعه تحرك ملموس قد يتطلب تشكيل لجنة وزارية لرعاية وحماية الحوار الفلسطيني.
حتى هذه اللحظة لم يصدر عن العواصم الرئيسية العربية ما يفيد أن هناك جهدا جماعيا قيد التحضير والإعداد، للمساعدة، وكل ما سمعناه صدر عن السفير الفلسطيني في القاهرة نبيل عمرو الذي قال مؤخرا إن مصر تستعد لاستضافة أربعة عشر فصيلاً تمهيداً لحوار لاحق.
وبالرغم من أن بعض المصادر الصحافية العربية شككت بوجود مثل هذه النوايا عند الأشقاء المصريين الذين يستغرقون في رعاية التهدئة بين قطاع غزة وإسرائيل، وفي مواصلة الجهد من أجل إنجاز صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، إلا أن السفير عمرو عاد وأكد ما صدر عنه قبل أن يؤكد ذلك أيضاً الرئيس عباس.
وفي انتظار تحرك مصري الله وحده يعلم متى يبدأ، التقى خالد مشعل بالرئيس بشار الأسد، مستبقاً زيارة الرئيس محمود عباس ووفد من منظمة التحرير الفلسطينية لدمشق يوم الأحد الماضي.
مصادر «الحياة اللندنية» تحدثت عن ورقة مقترحات قدمها مشعل للسوريين، تتضمن موقف حماس من الحوار، وتنقسم إلى جزأين: الأول يشتمل على تسعة مبادئ عامة، والثاني يقترح آليات محددة تبدأ بتشكيل حكومة توافق وطني انتقالية، بالإضافة إلى عدد آخر من الاقتراحات تحت عنوان «أسس التوافق على مرحلة انتقالية محددة لإنجاز الوفاق والمصالحة الوطنية».
زيارة الرئيس عباس لسوريا لم تكن فقط بسبب تباطؤ وتردد العواصم العربية التي زارها، وإنما أيضاً لأن سوريا ملزمة بحكم مسؤوليتها العربية كرئيسة للقمة، بالتحرك لتنفيذ أحد قراراتها «المبادرة اليمنية»، ولأن سوريا قادرة من موقع علاقتها الوثيقة مع حماس على لعب دور فعال في تقريب وجهات النظر، يتكامل مع الدور المصري المرتقب ويساعده.
التحرك نحو دمشق يستجيب لرغبة السوريين في مواصلة تقديم رسائل إيجابية معتدلة، تكمل موقفهم من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، وأيضاً استعداداتهم إزاء التحرك بشكل إيجابي في التعاطي مع الملف اللبناني، سواء لجهة المساعدة في تسهيل مهمة السنيورة لتشكيل حكومته، أو لجهة التعاطي الرسمي السوري لاحقاً مع لبنان كدولة مستقلة وذات سيادة.
ومثل هذا التحرك من قبل السوريين يضاف إلى جملة الأوراق والعوامل التي تسعى من ورائها دمشق لتوسيع وتوطيد دورها الإقليمي، وأيضاً دورها القيادي على المستوى العربي، خصوصاً في ظل تراجع أدوار الدول المركزية الأخرى، في ما يتصل بالملفين اللبناني والفلسطيني.
الرسالة التي صدرت عن وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» في اليوم ذاته الذي قابل الرئيس الأسد، خالد مشعل، تنطوي على أبعاد سياسية واضحة، فلقد أشارت «سانا» على لسان الرئيس «أن سوريا ستواصل مساعيها لضمان وحدة الصف الفلسطيني، بما يدعم الموقف التفاوضي الفلسطيني ويضمن عودة حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس».
سوريا ملتزمة بالتفاوض مع إسرائيل، وبالتالي فإنها لا تستطيع الاعتراض على التزام الرئيس عباس بالسياسة ذاتها، وهي أيضاً تحرص على أن تسمح لإسرائيل بالتلاعب على المسارات التفاوضية، ومن هذا الموقع أيضاً هي أقدر من غيرها على إقناع حماس بتليين مواقفها السياسية.
ويبدو أن سوريا حاولت استثمار زيارة الرئيس محمود عباس لإقناعه بعقد اجتماع مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، سواء في إطار ثنائي أو في إطار لقاء واسع يضم عدداً من الفصائل المتواجدة في دمشق.
الجهد السوري لم يفلح في إقناع الرئيس عباس بإجراء لقاء مع مشعل، فالرسائل العملية التي صدرت عن حماس خلال الأيام الأخيرة تركت لدى الرئيس مرارة لن يكون من السهل عليه تجاوزها، إلا بخطوات ومبادرات إيجابية واضحة من قبل حماس.
أهم تلك الرسائل، رسالة مشعل إلى عدد من القادة العرب، ويشكك فيها بنوايا وجدية الرئيس عباس، إذ تشير الرسالة إلى أن مبادرة عباس جاءت بعد فشل المفاوضات، ولتبرئة ذمته من عدوان إسرائيلي كبير ضد قطاع غزة، وإلى أن الرئيس الفلسطيني غير قادر على تجاوز السياسات الأميركية والإسرائيلية المعترضة على الحوار بين حركتي فتح وحماس قبل أن تلبي حماس شروط الرباعية الدولية.
على أن حماس قدمت رسالة عملية أخرى في غزة، في اليوم ذاته الذي التقى فيه مشعل مع الرئيس بشار الأسد، حيث استعرض رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية حرس الشرف في مقر الرئاسة بغزة، والذي تحول إلى مقر لقوات الأمن والحماية في الحكومة المقالة.
الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح، نظرتا لرسالة مقر الرئاسة في غزة، على أنها انقلاب آخر على الشرعية، ورد معاكس على مبادرة الرئيس للحوار، الأمر الذي أدى إلى انتكاسة جديدة وعودة خطاب التحريض والاتهامات.
وفيما تستمر في الداخل الفلسطيني كل مظاهر الانقسام، ويتم تجاهل المبادرات المحلية التي تصدر عن الفصائل الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني، فإن زيارة الرئيس عباس لدمشق جددت الآمال بإمكانية تحريك الجهد العربي لإنقاذ مبادرة الحوار، وإلا فإن الساحة الفلسطينية تنتظر المزيد من الصراع، والتآكل، وتعميق الانقسام الذي لا يخدم سوى إسرائيل.
وإذا كان ثمة من يعتقد أن الحديث عن مصلحة إسرائيل في الانقسام الفلسطيني، هو فقط من باب تحفيز الأطراف الفلسطينية للحوار والوحدة، فإن عليه أن يتمعن في تصريح أدلى به مؤخراً الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، واعتبر فيه أن الانقسام بين الفلسطينيين يشكل واحداً من أهم الإنجازات الإيجابية لإسرائيل، إلى جانب قيامها عام 1948 واحتلالها لبقية الأراضي الفلسطينية عام 1967. إلى هنا ونطرح السؤال التالي: مَنْ مِنَ الفلسطينيين مستعد لأن يتحمل مثل هذه المسؤولية؟
كاتب فلسطيني