انعقد المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، في الفترة من 4 إلى 6 /6/2008، في وقت يواجه فيه العالم تحديات كثيرة تهدد ـ بتداعياتها ـ مستقبل الإنسانية، وتنذر بالمزيد من الكوارث الأخلاقية والاجتماعية والبيئية العالمية، وهي صدى وإفراز متوقع لبعد الإنسانية عن ربها وتنكبها عن هديه.

وأكد المؤتمر أن الإسلام يمتلك حلولاَ ناجعة لتلك الأزمات، وان الأمة المسلمة مدعوة للإسهام مع غيرها في مواجهة هذه التحديات، بما تملك من رصيد حضاري لا غنى للبشرية عنه.

كما أشار نداء مكة المكرمة إلى أن الحضارات الأخرى تمتلك رؤى تجاه هذه التحديات التي تعصف بالجنس البشري برمته، وتشترك مع المسلمين في مسعاها لتقديم الحلول الناجعة لأزماته وتجاوز التحديات التي تواجهه، بما تمتلك من التجربة الإنسانية.

وأن الرسالات الإلهية والفلسفات الوضعية تمتلك من المشترك الإنساني ما يدعو إلى الالتزام بفضائل الأخلاق، ويرفض مظاهر الظلم والعدوان والانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري، والإضرار البالغ بالبيئة البشرية والإخلال بالتوازن المناخي.

واتفق المشاركون في مؤتمر مكة على التأصيل الإسلامي للحوار من خلال الدعوة إلى الحوار على أساس التمايز في المعتقدات والثقافات، وأن الحوار منهج قرآني أصيل. وكان من الأهداف التي اتفق عليها في المؤتمر أن الحوار يهدف إلى مساندة القضايا العادلة، وكشف دعاوى المغرضين، والتعرف على غير المسلمين، وحل الإشكالات والخصومات، وصولاَ لتحقيق التفاهم بين الحضارات، والذي يتطلب قبل كل شيء دعم التواصل بين أتباع المذاهب الإسلامية ليحاوروا الآخرين موحدين.

كما أن نداء مؤتمر مكة أكد على وسائل الحوار وآلياته عبر تكوين إطار عالمي للحوار، وإنشاء (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للتواصل بين الحضارات) ليقوم بعقد مؤتمرات وندوات ومجموعات بحث للحوار، وإنشاء جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للحوار الحضاري.

كما أجاب المؤتمرون في مكة المكرمة على سؤال هام حول من نتحاور معهم؟ موضحاَ أن فتح قنوات الاتصال والحوار يتم مع أتباع الرسالات الإلهية والفلسفات الوضعية، والانفتاح في الحوار على كافة الاتجاهات المؤثرة في الحياة المعاصرة، ولا ضير في شمول الحوار للجهات ذات المواقف المسيئة للإسلام، ومن هنا يأتي انعقاد مؤتمر مدريد في منتصف يوليو الجاري لحوار الأديان.

إن رحلة الحوار انطلاقا من مكة في مطلع يونيو الماضي، إلى مدريد في منتصف يوليو الحالي، هو جزء من مسيرة الحوار منذ أن خلق الله الإنسان، وسيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن أي فتنة على هذه الأرض فإن الأديان السماوية براء منها، وهي في الأصل تتعلق بالنفس البشرية الأمارة بالسوء والأطماع البشرية.

وفي الظرف الراهن جاء الاستهداف للحضارة الإنسانية من القناة الثقافية من خلال من روجوا لصراع الحضارات والذين يهدفون إلى إشاعة الفرقة لتشتيت الأسرة الدولية، وإذا ما قدر لهذه الدعوات أن تنجح فلن تستثني أحدا من لهيبها.

إن منطقتنا العربية هي المنبع للديانات السماوية الثلاث، ووجدت هذه الأديان وتعايشت، وحفظ الإسلام لإتباع الديانات السماوية الأخرى حقوقها وحدد ما لها وما عليها، ولذلك لا يمكن أن يصور الخلاف بين الأديان كصراع بين الشرق والغرب.

وإنما جذور النزاع التي تنشأ بين منطقتنا وبعض القوى في الغرب، تعود إلى محاولة بسط سيطرة بعض تلك القوى أو تغليب مصالحها، وبذلك لا يمكن أن يصور على شكل صراع ديني أو صراع بين الحضارات. كما ينبغي أن تتواصل جهود البشرية جميعاَ من أجل امتزاج الحضارات وتفاعل الثقافات وترسيخ الإيمان بأن هذا التواصل سيحقق خدمة للبشرية جميعا، وبما يدحض رأي الشاعر الانجليزي الشهير رويارد كيبلينغ الذي قال إن «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا».

إن صموئيل هنتنغتون في طرحه لفكرة صراع الحضارات إنما كان محكوماَ بتأثيرات خلق العدو )َمٍ؟ ةٍفهم(، وبالتالي إذكاء العداوات والصراع مع ذلك العدو واستنزاف كل الطاقات، في نزاع يمكن تجنبه عبر الحوار بدلا من الصراع، وبالتفاهم بدلا من القطيعة.

مندوب الجامعة العربية في الهند

a_wahishi@yahoo.com