يراقب العالم باهتمام بالغ، أكثر من أي وقت مضى، المشهد الإيراني الذي تُسلط عليه الأضواء في الوقت الحاضر، ويتساءل المراقبون بفضول عما سيحدث بعد أن سلمت طهران في الرابع من يوليو الجاري ردودها على آخر ما قدمته لها من محفزات، في الرابع عشر من يونيو المنصرم، الدول التي تضع السيناريوهات الرئيسية التي نشهدها على المسرح العالمي: مجموعة خمسة زائد واحد (الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي زائداً ألمانيا) مقابل التنازل عن برنامجها النووي.

الرد الذي صاغته طهران على الحزمة المقترحة، كان محسوباً بطريقة من يقترب من إمساك العصا من منتصفها لأمد محدود فقط. الرد فيه قدر من الصلابة وفيه قدر من المرونة، الصلابة في الإصرار على التمسك بالبرنامج النووي وتكرار التأكيد على أن أهدافه سلمية لغرض إنتاج الطاقة الكهربائية فحسب، وبأنها ليست على استعداد للتخلي عنه. أما المرونة فهي في عدم ممانعتها في وقف التخصيب مؤقتاً بعد بدء المفاوضات وليس قبلها.

احتوى الرد الإيراني على ما اعتبره المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي خافير سولانا مطالب صعبة ومعقدة تضمن لإيران في حالة قبولها شراكة في حل الأزمات العالمية. وهنا ترسم إيران طريقها لدخول مفاوضات لا تبدو فيها وكأنها خضعت للشرط الذي وضعته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لإجراء المفاوضات وهو إيقاف تخصيب اليورانيوم، كما تلوح في الوقت نفسه عبر طرحها لشراكة في حل الأزمات العالمية رغبتها في الحصول على دور في رسم سياسات الشرق الأوسط.

الأوضاع الإقليمية والدولية تخيم عليها أجواء أقرب إلى أجواء الحرب، وتشهد ضغوطاً غير مسبوقة على إيران:

1. إنهاء إسرائيل تدريبات خاصة للقيام بهجوم جوي على مواقع في جزيرة كريت الواقعة في البحر الأبيض المتوسط، وهي مسافة تقرب من المسافة عن موقع التخصيب الرئيسي في إيران وهو مدينة نتانز.

حيث وضعت إسرائيل اللمسات اللوجستية على هذا الهجوم خلال هذه التدريبات. وقد عمدت إسرائيل إلى تسريب المعلومات عن ذلك إلى وسائل الإعلام لزيادة الضغوط المسلطة على طهران، حيث قامت صحيفة هامة وواسعة الانتشار مثل نيويورك تايمز بنشر هذا الخبر.

2. تصعيد في سقف العقوبات المفروضة على إيران بسبب عدم التزامها بقرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بوقف تخصيب اليورانيوم، حيث اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات مالية شملت مجموعة من الشركات والمؤسسات الإيرانية من ضمنها أكبر المصارف في إيران، إضافة إلى فرض قيود شديدة على سفر كبار المسؤولين في البرنامج النووي الإيراني وفي المؤسسات العسكرية الهامة.

3. قيام كوريا الشمالية بخطوة عملية لإقناع الولايات المتحدة بحسن نواياها ورغبتها في التخلي عن البرنامج النووي، وهي تفجير برج التبريد في مفاعلها النووي المطلوب إيقاف العمل فيه، بالتزامن مع تقديمها للتقرير الذي تنهي فيه نشاطاتها النووية العسكرية.

والحقيقة أن الإجراء الكوري قد أضعف موقف إيران التي أصبحت الدولة الوحيدة المستهدفة من قبل الولايات المتحدة في ما يتعلق بقدراتها التسليحية، فهي من تبقى ممن اعتبرتهم الولايات المتحدة العناصر الأساسية في محور الشر، بعد أن أسقطت الإدارة الأميركية النظام العراقي وبعد أن استسلمت كوريا الشمالية إلى إرادتها. إلا أن الخطوة الكورية قد أضعفت في الوقت نفسه موقف الصقور في الإدارة الأميركية الذين يتبنون خيار القوة في التعامل مع الملف النووي الإيراني.

فقد قدمت مثالاً على قدرة الحلول الدبلوماسية المدعومة بحزمة من المحفزات، التي تبنتها الدول الست التي انشغلت بالملف النووي الكوري (الولايات المتحدة والكوريتين وروسيا والصين واليابان)، على فرض نفسها بديلاً لخيار القوة.

هنالك عدة قضايا استفادت منها إيران وعملت على تضخيم دور بعضها لإبعاد شبح الهراوة الأميركية عنها ولو لأمد محدود، وهي:

1. انشغال الولايات المتحدة في الساحة العراقية والدور الكبير الذي لعبته إيران وما زالت تلعبه في إشغالها ميدانياً.

2. تزايد الأنشطة المسلحة لحركة طالبان في أفغانستان، مما اضطر حلف الأطلسي إلى إرسال قوات إضافية إلى هذا البلد لمواجهة التزايد في المواجهات مع قواته.

3. تزايد معارضة الرأي العام الأميركي للحروب التي تخوضها الولايات المتحدة.

4. تحفظات معظم دول المنطقة على قيام حرب جديدة تدفع بالمنطقة إلى وضع من الصعب التكهن بمساراته.

5. ارتفاع أسعار النفط العالمية وتلويح إيران بقدرتها على الإضرار بالاقتصاد الغربي في حالة نشوب مواجهة مع الولايات المتحدة، عن طريق إغلاق مضيق هرمز وقطع الطريق أمام الناقلات التي تنقل يومياً أكثر من نصف ما يحتاجه العالم من النفط.

6. الرفض الروسي والصيني لأي عمل عسكري ضد إيران. ومع وجود هذه المعوقات التي ربما ترى فيها إيران عوامل إعاقة أمام الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين لشن هجوم عسكري على منشآتها النووية، إلا أن المفاوض الإيراني في هذا الوقت بالذات أحوج ما يكون لتهدئة الموقف الملتهب، لأن ما قدم من حوافز ربما يكون الأخير في جعبة من يصر على بقاء الخيار السلمي مفتوحاً. وإضافة إلى ذلك فإن إيران تراهن على نتائج الانتخابات الأميركية التي لم يتبق لها سوى شهور قليلة، وهي تأمل أن من يخلف الرئيس بوش في البيت الأبيض يكون أقل رغبة في انتهاج سياسات اقتحامية.

فهي بأمس الحاجة إلى كسب الوقت لحين موعد هذه الانتخابات، وهذا ما حدا بها إلى مغازلة الدول الست باستجابة جزئية لمطالبها يسهل الالتفاف عليها حالما تتيقن أن بعض ما تخشاه قد أصبح من الماضي. لقد أثبت المفاوض الإيراني منذ بدء المفاوضات حول البرنامج النووي لبلاده، قدرته على المناورة وكسب الوقت لصالح إحراز مزيد من التقدم في البرنامج، إلا أنه في الوقت نفسه فشل في تبديد الشكوك حول حقيقة أهداف البرنامج، وبالتالي لم ينجح في تليين الموقف الدولي منه.

الموقف الآن أكثر خطورة من أي وقت مضى، رغم ما يبدو من تساوٍ في احتمالات الأخذ بخيار القوة والأخذ بالخيار الدبلوماسي.

majamal@emirates.net.ae