قبل أربعة وأربعين عاماً بالتمام والكمال؛ بين نهاية مايو وبداية يونيو 1964، تمكن المحامي والسياسي المخضرم وممثل فلسطين بالجامعة العربية أحمد الشقيري من عقد مؤتمر فلسطيني عام في القدس. كان ذاك المؤتمر حدثاً استثنائياً، كونه ضم مندوبين عن مختلف ألوان الطيف الاجتماعي والأيديولوجي السياسي الفلسطيني.
في وقت عز فيه لقاء هؤلاء القوم بعد أن شتتهم معطيات النكبة منذ عام 1948 في جهات الدنيا الأربع، بحيث حسب البعض أن الفلسطينيين قد غابوا تماماً عن خريطة الشعوب الحية كما غاب وطنهم التاريخي عن الخريطة الجغرافية. بعد أخذ ورد ونقاشات مستفيضة، وبعد أسئلة وجدت إجابات وأخرى بقيت بلا إجابات، أعلن الشقيري بلسان المؤتمرين قيام منظمة التحرير الفلسطينية.
وقتذاك ووجه الوافد الكياني الوليد المطل من ركام الحقيقة الفلسطينية المدمرة بمواقف متباينة. فقد كان هناك المستبشرون بحذر ووجل وإشفاق إزاء احتمال نجاح هذه الخطوة الغضة في إعادة تكوين حقيقة وطنية نالت منها عوارض النكبة واللجوء وكاد يطويها النسيان.
وكان هناك الساخرون المستهزئون بهذا الوافد عن يأس من جدواه أو عن عداء له ولفكرته ووظيفته. وبين أولئك وأولئك كان هناك اللامبالون الذين طالعوا إعلان الشقيري ومؤتمره كخبر عابر. والحق أن ظاهرة المنظمة لم تكن عند نشأتها الأولى لتحتمل غير ردود الأفعال المذكورة.
الشقيري نفسه كان يضطلع بإعداد هذا الكيان ويعمل على تدشينه، وهو يعلم أنه يتجاوز التفويض الممنوح له من القمة العربية في يناير 1964، التي سمحت له بالتحرك لتنظيم الشعب الفلسطيني دون أن يجول بخاطرها نشوء كيان بحجم المنظمة ومحتواها.
لكن الذي ثبت هو أن طموح الرجل كان مبرراً وقائماً على أسس قوية. إذ مرت منظمته بالصيغة التي أقرها فلسطينياً وعربياً ثم دولياً، وعاشت طويلاً لتشغل كل المعنيين عن قرب وعن بعد بالصراع الصهيوني العربي وقضية فلسطين، من منطلقات وأهداف مختلفة.
نحن راهناً شهود على حوارات ومناكفات فلسطينية داخلية تثور وتخبو، لكنها لا تنقطع حول السيرة الذاتية للمنظمة؛ الدور والوظيفة والآفاق المستقبلية. وتبرز المتابعة أن هذه الحوارات والثرثرات تغلو أحياناً، فتتجاوز الحديث عن إصلاح المنظمة وتطويرها رأسياً وأفقياً إلى التشكيك في الحاجة إليها من الأصل، وذلك بدون التبصر في دلالات ومآلات هكذا توجه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني