لا يمكننا أن نقدّم درسا في «الديمقراطية» لكلّ من يعرفها حق المعرفة، ويطبقها كامل التطبيق في مجتمعات منتجة عرفت الديمقراطية ومارستها منذ قرنين من الزمن.. ولكننا، نريد أن نعلمها أن مجتمعاتنا اليوم لا يمكنها أن تختزل التاريخ وتغطي على الواقع لتلعب لعبة الديمقراطية كذبا ونفاقا.
إن الديمقراطية لا يمكن تسويقها كأية بضاعة في السوق العالمية، إنها «منظومة» فكرية كاملة يمارسها الناس، كما تربوا عليها في مجتمعاتهم بشكل طبيعي في كل مرافق الحياة. وعليه، فإنها ليست مجرد لعبة سياسية، وممثلي أحزاب، وصناديق انتخابات، وبصمة أصابع لأناس لا يدركون أبسط المقاييس.
بل ولا يعرفون لماذا يفعلون ذلك بسبب وعيهم المفقود! كما لا يمكن أن تكون بديلا مباشرا بعد الخروج المباشر من أي حكم دكتاتوري جائر! إن الديمقراطية، هي أسلوب حياة، وثقافة قيم، والتزام بقانون، واحترام مواقف، ونظام حريات، وظاهرة تقدم..
إن مجتمعاتنا لا يمكن أن تغدو ديمقراطية فجأة، فهي بحاجة إلى زمن طويل يتشبّع وعيها بمفاهيم العدالة والمساواة، وبعد أن تمتلك رؤيتها للحياة المعاصرة، وتستفيد من تجاربها التاريخية. فالديمقراطية لا تفّسر كونها آلية انتخابية محددة، بل إنها حالة تعامل بين الإنسان والحياة، وبين الحاكم والمواطنين، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين أعضاء الأسرة الواحدة في البيت.. الخ.
إنها تبدأ من الإنسان في بيته، والمدرسة، والحياة العامة لتصل كل المؤسسات. الديمقراطية لا تبدأ من الدولة لتنتهي بالمجتمع، بقدر ما تبدأ من المجتمع لتنتهي بالدولة. وعليه، فقد أخفقت كل تجاربنا العربية المعاصرة بسبب تطبيقات مستعارة، أو تمثيليات مضحكة، أو أحزاب مهلهلة، أو زعامات جائرة، أو ترديد شعارات مفرغة من مضامينها الحقيقية!
ليس من الصعب على المؤرخ رصد هذه «الظاهرة» الرائعة وتطبيقاتها الهزلية في تجارب عربية، ليدرك أنها مجرد سيناريوهات بلا أي فهم مقارن، ولا أي إدراك متبادل بين الخطاب (= مقول القول)، وبين الواقع (= معطيات الحياة).. ثمة تجارب عربية أولى لمرحلة الاستنارة والتطلعات المخضرمة بين قرنين 19191989، وفيها تُرجمت جملة من الأفكار والكتب.
ومرت مجتمعاتنا بتجربتي المشروطية (= الدستورية) في كل من إيران والدولة العثمانية، ثم تطورت الممارسة إبان مرحلة ما بين الحربين العالميتين 19191949 بمثابة إصلاحات سياسية، وتأسيسات اجتماعية حقيقية، لكنها لم تتنفس لتأخذ مداها في أغلب البلدان العربية بسبب ولادتها في ظل كيانات جديدة سياسيا.
فضلا عن التأثر بتجارب المستعمرين البريطانيين والفرنسيين وقت ذاك، ناهيكم عن التأثر ببقايا الأنظمة القديمة ومواريث المجتمع الصعبة، إضافة إلى مزاحمة الأيديولوجيات الجديدة التي زحفت على حياتنا العربية زحفا، وهي تلغي كل الأعراف والتقاليد فجأة، بل وكانت تطمح لما أسمته ب«حرق المراحل»، كي تلعب دورها في صناعة تيارات مضادة للمشروعات الديمقراطية..
وجاءت المرحلة الثانية 19491979، وهي مرحلة الراديكاليات اليسارية والأيديولوجيات الثورية التي تحكمّت في الحياة العربية من خلال الانقلابات العسكرية والمد الثوري للأحزاب الفاشية أو الماركسية.. وكلها استخدمت شعارات الديمقراطية ديماغوجيا وإعلاميا شعاراتيا، من دون أن تكون العملية تشريعية، وخدعت الجماهير بالظاهرة وقد صفقت لها!
أما اليوم فنحن نعيش مرحلة جديدة 19792009، تختلط فيها مفاهيم الديمقراطية مع غيرها، فكما وجد أبناء الجيل السابق من الراديكاليين مقاربة بين الماضي والحاضر كي يقولوا بالاشتراكية في الإسلام، فإن هناك اليوم عدة أحزاب دينية أوجدت مقاربة من نوع آخر، إذ شبّهوا الديمقراطية بالشورى، علما بأنه لا تشابه أبدا بين الأسلوبين، ولا مقاربة بين المفهومين.
ولا أي تماثل بين الظاهرتين! ثمة أسباب تقف صلدة للحيلولة إزاء تطور الديمقراطية حقيقة في حياتنا العربية وفي عموم العالم الإسلامي باستثناء تجارب معينة، بسبب عدم تطوير الآليات والوعي في مجتمعاتنا مقارنة بالذي حدث في التجربة الماليزية مثلا.
لقد فقد ملايين الناس في مجتمعاتنا الثقة بالديمقراطية، إذ غدوا يعتبرونها مستوردا غربيا لا يلائمنا، وأوقعت غالبية الأحزاب الدينية في عالمنا الإسلامي نفسها في مشكلات صعبة، فهي تعمل بالمشروع الديمقراطي وآلياته كقوى معارضة سياسية وتدخل الانتخابات من خلالها.
ولكن ما إن تصل السلطة حتى تبدأ ثنائية قاتلة، إذ لا تطبّقها تطبيقا حقيقيا بسبب الحريات والفصل بين السلطات، والقوانين المدنية، وحراك هيئات المجتمع المدني وممارسات جماعات الضغط، فتحلّ إخفاقات عدة بين الدولة والفصل بين مؤسساتها، وبين المجتمع! علما بأن بعض مجتمعاتنا العربية الجديدة لها تقاليد ديمقراطية سلمية توارثتها أبا عن جد، وبالإمكان تطويرها إلى ما هو أفضل.
ولعلّ مبادئ الديمقراطية تصطدم حتما بالقوى المتصلبة والراديكالية، فهي بحاجة إلى مجتمعات مرنة تتقبل الأشياء النافعة! إن الديمقراطية لا يمكنها أن تعيش أبدا إلا في فضاءات الحرية.
ولكن ضمن حدود القانون والأعراف الجميلة.. إن مجتمعاتنا بحاجة ماسة إلى الوعي أولا والتربية ثانيا، وان تكون الدولة دوما في خدمة المجتمع لا العكس.. من اجل تطوير أية مشروعات تلائم نسيج مجتمعاتنا، وجعلها حرة ومنتجة ومشاركة ومحافظة على مصالحها في قلب هذا العالم.