حين يطوي الموت أحد المفكرين والمبدعين يراودك شعور بالخيبة، لأن رحيله يترك فراغا لا يردم، ولأن الانقطاع عن فعل الإبداع سيرافق موت هذا المبدع أو ذاك، وما تركه مؤخرا المفكر العربي عبد الوهاب المسيري من سيرة مفعمة بالمنجزات ومليئة بالرؤى، ستجعل تخطي غيابه أكثر صعوبة وأشد إيلاما.
ومع أن الرجل ساهم بفكره الموسوعي في نهضة هذه الأمة بشكل أو بآخر، إلا انه ونتيجة موقفه من الحكومة والسلطة الرسمية لم يحظ بالتكريم الذي يستحقه في موته، فغابت الدولة عن تشييعه إلى مثواه الأخير، وكان غيابا مقصودا لأن لعبة السياسية تظل لها حساباتها حتى تجاه أبنائها المميزين.
وكما قال الشاعر «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد»، لذا غادر الرجل حاملا معه هموم الوطن وحالما ببذرة أمل أن التغيير لا بد وان يأتي يوما، وبأن الظلم الذي أقصاه عن التقدير والاعتراف به كمفكر فذ من نوعه، سيكون وسام الشرف الذي يكلل تاريخه ومسيرته.
لقد اعتادت بعض حكومات الأمة العربية على هدر الطاقات المبدعة الوطنية والعمل على تشتيتها، فضلا عن تغريبها في أوطانها وإقصائها عن العمل الوطني كنوع من العقاب النفسي نتيجة عدم احترامها لمفردة الاختلاف، ورغم أن رجلا بقامة المسيري غذى المكتبة العربية بكثير من المجلدات.
ولاسيما موسوعته الضخمة التي استغرق انجازها سبعة وعشرين عاما حول اليهود واليهودية والصهيونية إلى جانب كتب كثيرة تناولت موضوع الصهيونية، لا يحتاج إلى اعتراف رسمي ما دام قد اعترفت به الأوساط العلمية والأكاديمية والشعبية أيضا، ولكن المفارقة تفرض نفسها مع الرحيل.
ولعل أفول المفكرين وتداعي الفكر العربي برمته أخطر ما يمكن أن يواجه هذه الأمة، فكم من عالم يرحل ولا نجد من يكمل مسيرته، وكم من مفكر يغيب ويغيب معه مشروع التجديد في الأفكار والرؤى لمشروع غربلة الفكر العربي!
وكثيرة هي الأسماء التي برحيلها لم نجد من يوصل ما انقطع بها، بل على العكس وجدنا ارتخاء ملموسا في عملية الإنتاج الفكري، وبشهادة كبار الأدباء والمفكرين الذين ينعون المشروعات الفكرية الغائبة ويتحسرون على الواقع المنحسر عن ولادة مبدعين جدد، ربما لأنه واقع غير خلاق ولا يحفز على التجديد.
ولا يخفى على أحد أن المفكر والمبدع العربي ينحت في الصخر كيف يخط سيرة حياته الإبداعية، وبدل أن تفرش حياته بالورود نجدها وقد امتلأت شوكا وعراقيل، فالرقابة كممت الأفواه باكرا مما دفع هؤلاء إلى البحث عن وسيلة نشر يمكنها تحمل عواقب الأمور إلى جانب المجازفة المصيرية.
ولعل ما يحدث في حياة المبدع يكون بالضرورة مؤشرا على ما سيحدث بعد خاتمته، فيتذكر المسيري حادثة كان اتهم فيها السلطات الحكومية باختطافه وزوجته وعدد من أعضاء حزب «كفاية»، من ميدان السيدة زينب بالعاصمة المصرية في يناير الماضي للحيلولة دون اشتراكهم في إحدى المظاهرات، وقال إن قوات الأمن اقتادتهم إلى مكان مهجور قبل إطلاق سراحهم، وعبرت هذه الحادثة عن حجم المفكر الكبير لدى السلطات الأمنية.
لذا لم يكن من المستغرب أن تلعب بعض الحكومات دورا في تصفية بعض الرموز المناهضة لسلطاتها، وان كانت هذه التصفية أدبية ونفسية، وشاءت الظروف للبعض من هؤلاء المفكرين أن يغرّد بعيدا عن الوطن ويحظى بالتكريم والتقدير وبالمريدين الذين عبروا القارات.
ونتذكر منهم المفكر الكبير أحمد بهاء الدين الذي كتب عشرات الكتب المهمة وكان من أشهر المفكرين الذين عارضوا سياسة الانفتاح الاقتصادي في عصر السادات، وخرج من مصر إلى الكويت ليعمل فيها مديرا لتحرير مجلة «العربي» منذ منتصف السبعينات حتى عام 1982.
وتلخص الأسئلة المنهجية حول رؤية السلطة للمفكر الذي يختلف معها ويعارضها، والرؤية المضادة للسلطة، بعض الأفكار التي تدور حول شرعية السلطة نفسها، فالسلطة الشرعية تتعامل مع الفكر المعارض من منطلق صحي بعكس ما يحدث في معظم بلداننا العربية حيث تتسم علاقة المعارضة مع الحكومة بالعدائية المفرطة، وبسقوط أقنعة الحكم باضطهاد كل من تسول له نفسه فعل المعارضة.
ولقد اكتظت السجون العربية في مختلف المراحل السياسية من عمر الدولة العربية الحديثة بمختلف الفئات والشرائح، بدءا بالمواطن البسيط وانتهاء بالمثقف والمبدع، ومن هنا خرجت علينا أدبيات السجون أو كما يطلق عليها البعض أدبيات الاعتقال السياسي، وفي هذا الصدد يرى الباحث المغربي «لخضر منير» أن هذا الأدب يعد واجهة من واجهات الصراع السياسي في العالم العربي الإسلامي، نظرا لسيادة الطغيان السياسي.
لذا اعتبر البعض أن أدب السجون هو في نفس الآن أدب مقاومة، لأنه يعمل على إدانة وفضح مختلف الممارسات السلطوية المتحكمة في السلوك السياسي للأنظمة العربية والإسلامية.
فمن المشاكل التي يعاني منها العالم العربي الإسلامي نجد غياب الديمقراطية واحتكار السلطة، بل إن هناك سجونا لا تدع بابا لأي شكل من أشكال الأدب أو التعبير، ويصل القمع إلى القضاء على الرغبة في الصراخ، من خلال ما تقوم به سلطات السجون من عمليات تعذيب وغسيل للمخ «لإصلاح» فكر هؤلاء.
إذن المبدع العربي الرافض لعسر الواقع المعاش، يظل هو سلاح المقاومة الذي يحارب فساد الممارسات السياسية، بأسلوب راق يعتمد على مقارعة الأفكار وتفنيد الحجج.
وحين يرحل تنطفئ هذه الشعلة تاركة خلفها شموسا لا تغرب، وحتى يستفاد من تجارب هؤلاء الراحلين لا بد من التوحد بإرثهم والاستفادة من سيرهم التاريخية التي أوجدتهم في مكان وزمان حاربهم طويلا وأحبطهم كثيرا، ولكن تظل عملية النصر والهزيمة نفسية في اغلب الظروف، لذا يمكن أن يكون الموت بداية لبعض الفهم.