هل ستكون آخر الجثامين التي تشيع إلى أرض الميعاد؟

الأبواب مفتوحة لكافة الاحتمالات، وعلى رأس قائمة الاحتمالات: الحرب وبعدها في الترتيب السلام.

والسلام كان في مفهوم دولة إسرائيل لا يتحقق إلا بالقوة. والحقيقة أن هذا المفهوم تطور عن قناعة. وهذه القناعة جاءت بدورها عن تجربة متكررة.

واكتشف الإسرائيليون منذ بداية تشكل دولتهم أن العرب مهما تمسكوا بشعاراتهم لا بد أن يعيدوا النظر فيها ويتراجعوا عنها بعد استخدام القوة معهم أو الضغط عليهم أو عدم التنازل لهم. فكلمة السلام لديهم ليس لها أي مدلول آخر في تعاملهم مع العرب غير «الاستسلام».

في هذه الحالة، يصبح السلام ما بين أي طرفين متعاديين في حالة من عدم التوازن، ولا يمكن أن نطبق عليه مبدأ لا غالب ولا مغلوب. غير أن ما يغيب عن بالهم في لحظة فرض السلام على طريقتهم هو أن للقوة حدودا. وأن القوة كالحديد لها طبيعة التمدد والانكماش حسبما تعلمنا في كتب الطبيعة.

ولا نعرف سبب عدم تصديق الإسرائيليين بهذا القانون رغم أنه انطبق على الاتحاد السوفييتي، والذي عد في يوم من الأيام أعظم قوة في العالم. وربما أغرقهم سقوط الاتحاد السوفييتي في قناعاتهم الخاطئة بأن السلام لا يأتي بالتفاوض المتعادل ولكن بالإكراه. لماذا؟ لأن الرياح جرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لصالحهم، وجنوا الكثير من وراء تخلي هذه الدولة العظمى عن حليفاتها من العرب خاصة المتشددين منهم من دون ناصر ولا معين، في الوقت الذي كانت تتعاظم فيه قوة الولايات المتحدة الأميركية في العالم.

وكانت أولى مخططاتهم التخلص من هؤلاء الذين نظفوا أفغانستان من الغزو السوفييتي على يد القوة الأميركية. وهي مسألة اعتمدت على القوة وليس على التفاوض السلمي ودفع الأميركان ثمن الخطة. ثم جاء دور العراق بعد ذلك. وتم التخلص من بدايات تشكيله خطرا نوويا على دولة إسرائيل.

ولمزيد من الاطمئنان تم القضاء من ثم على شيء اسمه دولة العراق شعبا وقوة واقتصادا وتم تحويل نفطه إلى جهات معلومة وتم تقسيمه إلى ثلاث قطع: شيعة وسنة وأكراد بحيث لا تقوم له بعد اليوم من قائمة. وتقاسمت إسرائيل والولايات المتحدة الغنيمة: راحة البال لسكان إسرائيل من خطر دولة عربية متنامية عسكريا وإمدادات نفط مضمونة للولايات المتحدة الأميركية. لكن للمرة الثانية تدفع أميركا ثمن تنفيذ الخطة.

وما كادت الأمور تستقر قليلا حتى بدأت إسرائيل تخطط للتخلص من حزب الله في جنوب لبنان بغرض وضع حد للعبة القط والفأر. وهنا تسرعت إسرائيل كثيرا في توقيت وكيفية تنفيذ الخطة مدفوعة بالثقة الزائدة في النفس ودون الانتباه إلى أن الرياح منذ فترة قصيرة لم تعد تجري في أشرعة القوة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية المتورطة في مستنقع أفغانستان والعراق والتي لولا دعمها لقضي على دولة إسرائيل منذ زمن طويل.

وهكذا ولأول مرة في تاريخ الدولة العبرانية تفوق إسرائيل على صدمة غير متوقعة ويفتح شعب إسرائيل عينيه على واقع طالما دفن رأسه في الرمال هروبا من مرارته: وهي أن القوة لها حدود والنصر له حدود وهزيمة الشعوب أيضا لها حدود. ولم تكن تتوقع إسرائيل على الإطلاق بأنها بعد أن هزمت جيوش دولة كمصر وعساكر دولة كسوريا وأخضعت الدول العربية من مياه الخليج إلى مياه المحيط ستقع في فخ مقاومة إسلامية صغيرة متمثلة في حزب الله!

فقلبت حرب ثلاثين يوما أفكار الكيان منذ أكثر من ستين عاما رأسا على عقب وغيرت مفاهيمه التقليدية الخاصة به فيما يتعلق بالقوة والضعف، والسلام والاستسلام، والاعتداد بالنفس والواقع غير المتوقع.

وحيث أن المغرور بنفسه وبقوة عضلاته لا يمكنه أن يصدق انقلاب الزمن عليه فيجد لكي يثبت للآخرين بأنه ما زال يحتفظ بقدراته التي أرهب بها أعداءه، فقد حاولت إسرائيل مباشرة الدخول في مشاكسة جمهورية بحجم إيران الدولة الثانية بعد العراق التي تشكل خطرا على إسرائيل. بالطبع كل قرارات الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها بخصوص الدول التي تعرض أمن إسرائيل للخطر يتم تلقيمها بالطبع من إسرائيل.

غير أن صقور الجمهوريين الذين يحكمون البيت الأبيض وجدوا أنفسهم يتساقطون الواحد تلو الآخر وخسر الحزب ثلاثة أرباع مؤيديه، ولم يبق على رأسه سوى مرشح هرم يحاول أن يتنكر لرئيسه. والاستبيانات تؤكد يوما بعد آخر على أن الشعب الأميركي مل الحروب الفاشلة والتي لم تعد عليهم سوى بدمار اقتصادهم وطرد العائلات الأميركية من بيوتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم تحت ما يسمى بالأزمة العقارية وهي واحدة من نتائج انهيار الاقتصاد الأميركي.

وأصبحت المؤشرات تميل إلى أن باراك (حسين) أوباما، ذي الأصول الزنجية والذي أصبح اسم والده المسلم (حسين) موضة وتقليعة بين الشباب الأميركيين، بأنه سوف يكسب السباق إلى البيت الأبيض بعد أن أطاح بمنافسته هيلاري كلنتون. لذا لم نعجب لتصريحات الرئيس بوش الأخيرة بأن فكرة مهاجمة إيران غير واردة وأن الدبلوماسية هي خير طريقة لإقناع هذه الأخيرة بالتخلي عن برامجها النووية، اللهم ألا أن تكون خدعة حرب قديمة.

اليوم وافق الكنيست على مسألة تبادل الأسرى بين دولة إسرائيل التي أرهبت العالم العربي على مدى عقود من الزمن وحزب الله الذي فرض نفسه على الساحة كمفاوض عنيد وخطير لا يعترف بالتنازلات.

فموافقة إسرائيل على تسليم سمير القنطار ومجموعة كبيرة من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين وإعادة كافة جثامين الشهداء اللبنانيين مقابل بقايا لجنود إسرائيليين يكشف أن إسرائيل قد تزعزعت ثقتها بالنفس وأن قوتها لم تعد تنفعها في انحدار مجدها القديم وأنها استفاقت من أحلامها العريضة وأن الحل الوحيد هو السلم المتوازن والتضحية والقبول بالأمر الواقع.

ويبدو أن الفكرة التي طالما تمسكت بها إسرائيل من أن العرب لا ينفع معهم غير مبدأ القوة قد انقلب ضدها، فقد مارس حزب الله مع إسرائيل نفس المبدأ ونجح. فإسرائيل لا تفهم فيما يبدو إلا الأسلوب الذي يقوم على الاعتزاز والاعتداد بالنفس وبالتمسك بالمواقف والقوة...

بهذه الطريقة لن نرى إن شاء الله بعد اليوم تبادلا لجثامين الشهداء مع بقايا القتلة.

جامعة الامارات

dralaboodi@gmail.com