بعد الانفراجة الواسعة التي شهدتها الساحة الفلسطينية تأسيساً على مبادرة الرئيس محمود عباس بشأن الدعوة لحوار وطني برعاية عربية، عادت الشكوك إلى نفوس المتفائلين، الذين اعتقدوا أن المبادرة والترحيب السريع بها من قبل حركة حماس، ستنقل الوضع من حال إلى آخر.

شهر بطوله انقضى منذ طرح الرئيس مبادرته، غير أن شيئاً لم يتحرك إلى الأمام لا على المستوى الداخلي، ولا على مستوى بلورة جهد عربي ملموس يعتقد الكثيرون أن حاجة الفلسطينيين إليه أكثر من حاجتهم، لتجاوزه والاعتماد على أنفسهم.

فلقد اتضح بصورة جلية أن مكابرة الفلسطينيين بشأن قرارهم المستقل وقدرتهم على تجاوز الاعتراضات الدولية والإسرائيلية، أن هذه المكابرة لا تفيد بل إنها تؤدي إلى استهلاك المزيد من الوقت، وتقديم المزيد من الخسائر.

الرئيس محمود عباس لم يتأخر في طلب النجدة من العرب، غير أن الردود لم تكن مشجعة، حيث ألقى الكل تقريباً، مسؤولية التحرك على الجامعة العربية والتي بدورها سعت عبر أمينها العام عمرو موسى، لرفع الفيتو الأميركي والأوروبي عن الحوار بين حركة فتح وحماس، لكنها لم تفلح بعد.

الرد على طلب عمرو موسى، في مؤتمر برلين لتجنيد الدعم للأمن والقضاء الفلسطيني، جاء على لسان المستشارة الألمانية كما على لسان وزيرة الخارجية الأميركية، اللتين رفضتا إجازة الحوار الفلسطيني قبل أن تستجيب حركة حماس لشروط الرباعية الدولية، وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ونبذ العنف والاعتراف بالاتفاقيات السابقة.

الردود الأميركية والأوروبية على طلب عمر موسى عززت منطق حركة حماس التي شككت منذ زمن بقدره الرئيس عباس على تجاوز هذه الاعتراضات، الأمر الذي دفع الرئيس الفلسطيني للإعلان عن أن القرار الفلسطيني ليس مرهوناً بمواقف هذا الطرف أو ذاك من الأطراف الدولية.

وفي وقت لاحق أعلن السفير الفلسطيني في القاهرة نبيل عمرو أن الرئيس اتفق مع الوزير عمرو سليمان مدير المخابرات المصرية على أن تبدأ مصر بمشاورات تمهيدية مع الفصائل الفلسطينية، لكن أحداً لا يعلم متى لهذه المشاورات أن تنطلق.

وفي الواقع فإن صيغة المشاورات التمهيدية التي لم تبدأ بعد، تعني مواصلة تبديد المزيد من الوقت ريثما تتضح نتائج الاتصالات العربية مع الأطراف الدولية بشأن الموقف من الحوار.

خلال هذه الفترة، تواصل حركة حماس تقديم المزيد من الرسائل ذات الطابع السياسي بعيد المدى والأثر، فلقد وافقت على التهدئة مع إسرائيل بدون أن تشمل الضفة، وفقط مقابل أن ترفع إسرائيل تدريجياً الحصار، وصولاً إلى فتح كافة المعابر التجارية ما يعني رفع الحصار.

التهدئة تشير إلى أن حركة حماس تبنت مواقف كانت تنتقدها في السابق بل وتعارضها بقوة، فبعد أن كان إطلاق الصواريخ ضرورة وطنية وأحد أبرز أشكال المقاومة، أصبح مطلقوها اليوم قُطَّاع طرق وإطلاقها لا يخدم المصلحة الوطنية، وهي بذلك تكون اتفقت مع الرئيس عباس الذي اعتبر الصواريخ عبثية. هذا يعني أن احتكار المقاومة من قبل حركة حماس خلال الفترة السابقة، قد أتاح لها المجال لتجييرها وفق رؤيتها وبغض النظر عن مستوى التوافق الوطني.

ولعل من المهم ملاحظة أن حماس ترغب في إظهار قدرتها على السيطرة وتنفيذ الالتزامات المترتبة عن اتفاق التهدئة، ولذلك فإنها ستواصل صبرها على الخروقات الإسرائيلية التي أدت إلى تعطيل الالتزامات المترتبة بالنسبة للجانب الإسرائيلي خصوصاً فيما يتصل بفتح المعابر.

ويبدو أن إسرائيل التي تتعامل مع التهدئة كهدف تكتيكي يمكن العودة عنها حال استنفاذ أغراضها، إنما تسعى لتعميق الانقسام الفلسطيني، من خلال تكريس التمايز بين الضفة وغزة من ناحية، ولإشعار حماس بقدرتها على الاستمرار وتحقيق إنجازات بدون الحاجة للحوار واستعادة الوحدة.

هكذا فإن إسرائيل ستطيح بالتهدئة حال اقتناعها ببدء حوار فلسطيني جدي سواء أكان بتدخل عربي أو بدونه، وذلك من واقع مصلحتها ببقاء وإدامة وتعميق الانقسام الفلسطيني بما يستجيب لمخططاتها وسياستها ومصالحها. وهذا يعني في واقع الحال أن التهدئة تتعارض مع الحوار، من وجهة نظر إسرائيلية، بعكس ما يعتقد بعض الفلسطينيين الذين يرون في التهدئة عاملاً مساعداً ومشجعاً للحوار.

الفلسطينيون بين نارين يحتاجون التهدئة من أجل تخفيف ورفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر، وأيضاً يحتاجون أكثر إلى دفع عجلة الحوار نحو إنهاء الانقسام واستعادة وحدتهم باعتبار أن هذا الانقسام يشكل مصدراً لشرور كثيرة.

تطرح هذا العوامل المعترضة على الفلسطينيين والعرب، تحدياً قوياً، إذ من غير المعقول أن يتم استلاب قرارهم وإرادتهم، وأن يخضع الجميع لإرادة المحتل الإسرائيلي الذي يستثمر التناقضات الفلسطينية وحال العجز العربي، بما يؤدي إلى الإطاحة الكاملة بالمشروع الوطني الفلسطيني.

وفيما تحاول الفصائل الفلسطينية الأخرى غير المنخرطة في الصراع الفتحاوي الحمساوي، تقديم مبادرات عملية لتحريك الحوار، وبناء الثقة، فإن الجمهور الفلسطيني يشعر بالصدمة واليأس إزاء فشل كل السياسات، فلا التهدئة تنجح في رفع الحصار، ولا الحوار قد بدأ أو يمكن أن يبدأ قريباً، ولا إشارة إلى تحرك عربي جدي، فيما تتعمق وتتسع النتائج الكارثية للعدوان والحصار.

في ضوء ذلك فإن شعوراً يتنامى بانسداد الآفاق، وانحباس الخيارات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع الداخلية الفلسطينية على نحو لا يعرف أحد مداه ونتائجه. هكذا وقعت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، حين كانت منظمة التحرير على لائحة الشطب، وبدا وكأن إسرائيل تستوعب كلياً الأراضي المحتلة عام 1967.

وهكذا وقعت انتفاضة الأقصى عام 2000 حين فشلت مفاوضات كامب ديفيد واختنق الوضع الداخلي الفلسطيني بسبب الفساد الإداري والمالي وسوء الأداء. في محطات عديدة، تجاوز الشعب الفلسطيني قياداته، وقدم حلولاً إبداعية للأزمات التي تبدو وكأنها تستعصي على الحلول.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com